أخبر الله تعالى عن المشركين أنهم أيضا لا يرهبهم التهديد بالعذاب ، فلقد ابتليناهم بالمصائب والشدائد ، ونالهم من الجوع والقحط ، فظلوا في استكبارهم وطغيانهم ، فما تركوا الكفر والمخالفة ، وما عدلوا عن غيهم وضلالهم ، وما خشعوا لربهم ولا خضعوا له ولا تواضعوا لعظمته ، وما دعوا ولا تذللوا ، كما جاء في آية أخرى : (فَلَوْ لا إِذْ جاءَهُمْ بَأْسُنا تَضَرَّعُوا وَلكِنْ قَسَتْ قُلُوبُهُمْ) [الأنعام : ٦ / ٤٣].
وقوله تعالى : (وَلَقَدْ أَخَذْناهُمْ بِالْعَذابِ) هو الجوع والجدب الذي نزل بهم ، حتى أكلوا الجلود وما جرى مجراها ، وقوله سبحانه : (فَمَا اسْتَكانُوا لِرَبِّهِمْ) معناه : ما انخفضوا وتواضعوا ، أي فما طلبوا أن يكونوا لربهم أهل طاعة ، وعبيد خير. روي عن الحسن البصري رحمهالله أنه قال : «إذا أصاب الناس من قبل الشيطان بلاء ، فإنما هي نعمة ، فلا تستقبلوا نعمة الله بالحميّة ، ولكن استقبلوها بالاستغفار ، واستكينوا وتضرعوا إلى الله» وقرأ هذه الآية : (وَلَقَدْ أَخَذْناهُمْ بِالْعَذابِ فَمَا اسْتَكانُوا لِرَبِّهِمْ وَما يَتَضَرَّعُونَ).
ثم أخبر الله تعالى بخبر ثالث عن المشركين ، فذكر أنه إذا جاءهم أمر الله ، وجاءتهم الساعة فجأة ، فنالهم من العذاب ما لم يكونوا يحتسبون ، أيسوا من كل خير ، ومن كل راحة ، وانقطعت آمالهم ، وخاب رجاؤهم. والمبلسون : الآيسون المتحيرون الذين لا يدرون ماذا يصنعون.
وقوله سبحانه : (حَتَّى إِذا فَتَحْنا عَلَيْهِمْ باباً ذا عَذابٍ شَدِيدٍ) ذكر بعضهم أنه يوم بدر حيث انهالت عليهم السيوف ، والصواب : أنه توعد بعذاب غير معين ، لأن إصابة قريش بالمجاعة والجدب إنما كان بعد وقعة بدر.
وهذه الأخبار الثلاثة التي تضمنتها الآيات الكريمة تصور ألوان العناد والاستكبار الذي استبد بعقول قريش ، فإنه لا يفلح معهم أي لون من ألوان التربية ،
![التفسير الوسيط [ ج ٢ ] التفسير الوسيط](/_next/image?url=https%3A%2F%2Flib.rafed.net%2FBooks%2F4061_altafsir-alwasit-02%2Fimages%2Fcover.jpg&w=640&q=75)
