القضاء صادرا من الأب داود ، والابن سليمان ، اللذين كان كل منهما ملكا عدلا ، نبيا ، يحكم بالحق بين الناس.
واتجه كل من داود وسليمان في حكمه وجهة معينة من النظر السديد ، فإن داود عليهالسلام قضى بتملك الغنم لصاحب الزرع ، وسليمان عليهالسلام قضى بتسليم الغنم مدة عام إلى صاحب الحرث (الزرع) ينتفع بألبانها وأولادها وأصوافها ، وتسليم الزرع للراعي ، يستفيد مما تنتجه الأرض ، ويتعدها بالسقاية والخدمة ، حتى يعود الزرع إلى ما كان عليه قبل الرعي ، وكان قضاء سليمان أولى وأرفق وأحكم.
لذا قال تعالى : (فَفَهَّمْناها سُلَيْمانَ) أي أفهمناه القضية وملابساتها ، والحكم الأسد والأصوب ، وإن كان حكم داود أيضا سديدا وصحيحا ؛ لأنه وجد قيمة الغنم تساوي قيمة الزرع ، وكل من داود وسليمان آتاه الله نعمة النبوة وسداد الحكم القضائي ، والعلم بأحوال القضاء وغيره ، لكن حكم سليمان أفضل ؛ لإبقاء كل من الراعي والزارع على ملك متاعه ، وطيب نفسه بذلك.
ثم عدد الله تعالى نعمه على كل من داود وسليمان عليهماالسلام ، أما نعم داود ، فالله تعالى سخّر أو ذلّل له الجبال والطيور مسبّحات مقدسات الله ، تتجاوب مع أصداء صوته الجميل ، بتلاوة كتاب الزبور ، فكان إذا ترنم ، وقفت الطيور تتناغم مع تراتيله ، وتردد الجبال تسبيحاته. وكان الله قادرا فعالا على هذا الفعل وتجاوب الطير والجبال ، وإن تعجب منه الناس.
وعلّم الله داود عليهالسلام صناعة الدروع ، ليلبسها المتحاربون ، وقاية لأجسادهم من ضربات السلاح من سيوف وحراب وسهام ، فهل يبادر الناس لشكر
![التفسير الوسيط [ ج ٢ ] التفسير الوسيط](/_next/image?url=https%3A%2F%2Flib.rafed.net%2FBooks%2F4061_altafsir-alwasit-02%2Fimages%2Fcover.jpg&w=640&q=75)
