بأنها من الأرض : إشارة إلى أنها من الأصنام المعبودة في الأرض ، وهذا تهكم بهم ، وتوبيخ ، وتجهيل لهم.
ثم أبان الله تعالى مساوئ القول بتعدد الآلهة ، فإنها لو وجدت لبغى بعضهم على بعض ، وذهب كل إله بما خلق ، فأحدهم يرى مثلا تحريك جرم سماوي ، والآخر يرى تسكينه ، فمحال أن تتم الإرادتان ، ومحال ألا تتما جميعا ، فلو كان في السماوات والأرض آلهة غير الله لخربتا وفسد نظامهما. أما إن اتفقا في التصرف في الكون ، فلا داعي للتعدد حينئذ ، لأنه يؤدي إلى وجود الخلق والأمر والمقدورات من خالقين قادرين على مخلوق واحد ، وهذا محال ، لأنه يجعل وقوع المقدور بإرادة الاثنين ، لا بإرادة واحد منهما ، وهذا لا يصح ، لأن لكل منهما إرادة مستقلة بالتأثير ، فلا يعقل وقوع مخلوق لخالقين.
لذا تنزه الله تعالى وتقدس عن الذي يفترون ويقولون : إن لله ولدا أو شريكا ، وتعاظم عما يأفكون تعاظما كبيرا.
وتأكيدا لهذا التنزيه ، لا يسأل الله تعالى عن أفعاله ، فهو الحاكم الذي لا معقّب لحكمه ، ولا يعترض عليه أحد ، لعظمته وجلاله وكبريائه ، وإحاطة علمه وروعة حكمته وشمولها ، وإنما يسأل خلقه عن أفعالهم ، ما عملوا ، وما سيعملون.
أيصح بعد هذه الأدلة أن يتخذوا آلهة من دون الله ، ويصفوا الله بأن له شريكا ، فإن ادعوا الشريك ، فليأتوا ببرهانهم على ذلك ، إما من العقل وإما من الوحي ، ولن يجدوا كتابا من كتب الأولين كالإنجيل والتوراة إلا وفيه تقرير لتوحيد الله وتنزيهه عن الشركاء ، كما أن العقل كما تقدم يرفض وجود إلهين.
هذا الوحي الوارد بتقرير توحيد الله ونفي الشركاء عنه ، هو ما نزل على النبي محمد صلىاللهعليهوسلم وعلى جميع الأنبياء السابقين ، فهو ذكر ، أي عظة للذين مع النبي ، أي أمته ،
![التفسير الوسيط [ ج ٢ ] التفسير الوسيط](/_next/image?url=https%3A%2F%2Flib.rafed.net%2FBooks%2F4061_altafsir-alwasit-02%2Fimages%2Fcover.jpg&w=640&q=75)
