السلام ، وأن الأمر من عند الله تعالى ، فانكبوا على وجوههم ساجدين لله ، وآمنوا برب موسى وهارون ، مفضّلين الآخرة على الدنيا ، والحق على الباطل. وقوله : (بِرَبِّ هارُونَ وَمُوسى) بتقديم (هارون) قبل (موسى) لتستوي رؤوس الآيات ، مثل قوله تعالى : (أَزْواجاً مِنْ نَباتٍ شَتَّى) [طه : ٢٠ / ٥٢] ، فتأخير (شتى) لتعتدل رؤوس الآي. وكذلك قوله تعالى : (وَلَوْ لا كَلِمَةٌ سَبَقَتْ مِنْ رَبِّكَ لَكانَ لِزاماً وَأَجَلٌ مُسَمًّى (١٢٩)) [طه : ٢٠ / ١٢٩] ، فتأخير قوله : (وَأَجَلٌ مُسَمًّى) إنما هو لتستوي رؤوس الآي. وإنما قالوا : (بِرَبِّ هارُونَ وَمُوسى) ولم يقولوا : (برب العالمين) لأن فرعون ادعى الربوبية وادعى الألوهية ، فلو أنهم قالوا : آمنا برب العالمين فحسب ، لقال فرعون : إنهم آمنوا بي ، لا بغيري ، فاختاروا هذه العبارة لإبطال قوله.
قال فرعون الذي أصر على كفره وعناده ومكابرته الحق بالباطل : أصدّقتم موسى وقوله واتبعتموه ، من غير إذن مني لكم بذلك؟ فلم تؤمنوا عن بصيرة وتفكير ، إنما أنتم أخذتم السحر عن موسى ، فهو معلّمكم الكبير ، وأنتم تلامذته ، وتواطأتم معه علي وعلى رعيتي ، لتظهروه وتروّجوا لدعوته.
فهدّدهم ونفّرهم عن الإيمان بقوله : أقسم أني لأمثّلن بكم ، فأقطّعن أيديكم وأرجلكم من خلاف ، أي بقطع اليد اليمنى والرجل اليسرى ، أو على العكس ، ولتعلمنّ هل أنا أشد عذابا لكم أو رب موسى؟! وهذا من فرعون تحدّ لقدرة الله ، وتحقير لشأن موسى ، وإظهار لما لفرعون من بأس وسلطة.
فازداد السحرة بعد هذا التهديد تمسكا بإيمانهم ، وهانت عليهم أنفسهم من أجل رضوان الله ، فقالوا : لن نختارك يا فرعون على ما جاءنا به موسى من البينات الواضحات من عند الله تعالى ، والمعجزات الظاهرة ، كانقلاب العصا ثعبانا ، واليد نجما مشعا ، وعلى ما حصل لنا من الهدى واليقين ، فافعل ما شئت ، واصنع ما أنت
![التفسير الوسيط [ ج ٢ ] التفسير الوسيط](/_next/image?url=https%3A%2F%2Flib.rafed.net%2FBooks%2F4061_altafsir-alwasit-02%2Fimages%2Fcover.jpg&w=640&q=75)
