ومعنى هذا المثل تشبيه حال المرء في حياته وماله وعزته ، وزهوه وبطره بالنبات الذي له خضرة ونضرة ، بسبب المطر النازل ، ثم يعود بعد ذلك هشيما متبددا ، ويصير إلى عدم. فمن كان له عمل صالح يبقى في الآخرة ، فهو الفائز ، فكأن الحياة بمثابة الماء ، والخضرة والنضارة بمنزلة النعيم والعزة ونحوه. ويدل هذا المثل على سرعة زوال الدنيا وفنائها.
ثم أخبر الله عن حقيقة المال والأولاد ، فذكر أن الأموال والبنين والبنات هي من زينة الحياة الدنيا ، وليست من زينة الآخرة الدائمة ، فهي سريعة الفناء والانقراض ، فلا ينبغي لعاقل أو متأمل الاغترار بها والتفاخر بمظاهرها ، ولا يصح للناس أن يتبعوا أنفسهم زينة الدنيا وجمالها ، وعليهم أن ينتفعوا بها مجرد انتفاع ، دون تعلق نفس وإيثار ، أو تعظيم وتفضيل ، لأن كل ذلك إلى فناء.
والباقيات الصالحات خير ، أي إن أعمال الخير وأفعال الطاعة ، كالصلاة والصيام والصدقة والجهاد في سبيل الله ، ومساعدة المحتاجين ، وذكر الله : أفضل ثوابا ، وأعظم قربة عند الله ، وأبقى أثرا ، لأن ثوابها عائد على صاحبها ، وهي خير أملا ، حيث ينال صاحبها في الآخرة كل ما كان يؤمله في الدنيا.
فسر ابن عباس وغيره الباقيات الصالحات بأنها الصلوات الخمس ، وفسرها جمهور المفسرين بأنها الكلمات المأثور فضلها وهي : سبحان الله ، والحمد لله ، ولا إله إلا الله ، والله أكبر ، ولا حول ولا قوة إلا بالله العلي العظيم. وقال ذلك أيضا ابن عباس. ورجح الطبري والقرطبي ما قاله ابن عباس في رواية ثالثة : الباقيات الصالحات : كل عمل صالح من قول أو فعل يبقى للآخرة.
وقول الله سبحانه : (خَيْرٌ عِنْدَ رَبِّكَ ثَواباً وَخَيْرٌ أَمَلاً) معناه : صاحبها ينتظر الثواب ، وينبسط أمله على خير من حال ذي المال والبنين ، ودون أن يعمل عملا صالحا.
![التفسير الوسيط [ ج ٢ ] التفسير الوسيط](/_next/image?url=https%3A%2F%2Flib.rafed.net%2FBooks%2F4061_altafsir-alwasit-02%2Fimages%2Fcover.jpg&w=640&q=75)
