جئتكم به من ربكم وهو القرآن ، هو الحق الذي لا مرية فيه ولا شك ، وهو النظام الأصلح للحياة ، فمن شاء آمن به ، ومن شاء كفر به ، فأنا في غنى عنكم ، ومن عمل صالحا فلنفسه ، ومن أساء فعليها ، ثم يحاسبكم ربكم على أعمالكم. وفي هذا تهديد ووعيد.
ونوع الوعيد المهدد به : هو ما أخبر الله عنه بقوله : (إِنَّا أَعْتَدْنا لِلظَّالِمِينَ ناراً) أي إنا هيأنا وأعددنا للكافرين بالله ورسوله وكتابه نار جهنم الذي أحاط بهم سورها أو جدارها من كل جانب ، حتى لا يجدوا مخلصا منها.
وإن يطلب هؤلاء الظالمون المعذبون في النار إغاثة ومددا وماء ، لإطفاء عطشهم ، بسبب حرّ جهنم ، يغاثوا بماء غليظ كثيف كعكر الزيت أو كالدم والقيح ، يشوي جلود الوجوه من شدة حره ، بئس هذا الشراب شرابهم ، فما أقبحه ، فهو لا يزيل عطشا ، ولا يسكّن حرا ، بل يزيد فيها ، وساءت جهنم مرتفقا ، أي متكأ وموضعا للانتفاع. وجاء وصف سرادق النار في آية أخرى هي : (انْطَلِقُوا إِلى ظِلٍّ ذِي ثَلاثِ شُعَبٍ (٣٠) لا ظَلِيلٍ وَلا يُغْنِي مِنَ اللهَبِ (٣١) إِنَّها تَرْمِي بِشَرَرٍ كَالْقَصْرِ (٣٢) كَأَنَّهُ جِمالَتٌ صُفْرٌ (٣٣)) [المرسلات : ٧٧ / ٣٠ ـ ٣٣].
وقوله سبحانه : (فَمَنْ شاءَ فَلْيُؤْمِنْ وَمَنْ شاءَ فَلْيَكْفُرْ) توعد وتهديد ، وليس على سبيل التخيير بين متساويين ، والمراد : فليختر كل امرئ لنفسه ما يجده غدا عند الله عزوجل.
وأما جزاء أهل السعادة والإيمان فهو الجنة ، إن الذين آمنوا بالله ربا ، وبالإسلام دينا ، وبمحمد نبيا ، وبجميع المرسلين في كل ما جاؤوا به ، وعملوا الأعمال الصالحة التي أمر الله بها ، فلا يضيع الله أجرهم على إحسانهم العمل. والجمع بين الإيمان والعمل الصالح دليل على أنه لا يصح أحدهما دون الآخر.
![التفسير الوسيط [ ج ٢ ] التفسير الوسيط](/_next/image?url=https%3A%2F%2Flib.rafed.net%2FBooks%2F4061_altafsir-alwasit-02%2Fimages%2Fcover.jpg&w=640&q=75)
