أقاموا على صحة ما ذهبوا إليه دليلا واضحا صحيحا؟! فلا أحد أشد ظلما من افتراء الكذب على الله ، ونسبة الشريك إليه فهم قوم ظالمون كاذبون في قولهم ذلك.
وكان من لطف الله بهم : أن ملكهم ، بعد أن هددهم وتوعدهم ، أمهلهم. لينظروا في أمرهم ، لعلهم يرجعون عن دينهم الذي كانوا عليه ، فوجدوها فرصة مواتية ، وهربوا فرارا بدينهم من الفتنة.
قال ابن كثير : وهذا هو المشروع عند وقوع الفتن في الناس : أن يفرّ العبد منهم خوفا على دينه ، كما جاء في حديث البخاري وأبي داوود عن أبي سعيد الخدري ، عن النبي صلىاللهعليهوسلم قال : «يوشك أن يكون خير مال أحدكم غنما يتبع بها شعف الجبال ، ومواقع القطر ، يفرّ بدينه من الفتن». ففي هذه الحال تشرع العزلة عن الناس ، ولا تشرع فيما عداها ، لما يفوت بها من ترك الجماعات والجمع.
اعتزال أصحاب الكهف قومهم
حين يشتد الأذى بفئة التوحيد والإيمان ، لا سبيل إلى النجاة إلا باعتزال القوم الكفرة المؤذين ، عزلة مادية بترك الديار والبلاد ، وعزلة معنوية بمخالفتهم في دينهم وترك معبوداتهم المزعومة ، والاستقلال بعبادة الله وحده. وهذا كان منهج أهل الكهف ، تركوا ديار قومهم ، ولجؤوا إلى كهف في الجبل ، فرارا بدينهم من الفتنة ، وقد حمد الله تعالى فعلهم ، وحفظهم ، وجعلهم مثلا في التاريخ ، قال الله تعالى واصفا هذه العزلة الإيمانية :
(وَإِذِ اعْتَزَلْتُمُوهُمْ وَما يَعْبُدُونَ إِلاَّ اللهَ فَأْوُوا إِلَى الْكَهْفِ يَنْشُرْ لَكُمْ رَبُّكُمْ مِنْ رَحْمَتِهِ وَيُهَيِّئْ لَكُمْ مِنْ أَمْرِكُمْ مِرْفَقاً (١٦) وَتَرَى الشَّمْسَ إِذا طَلَعَتْ تَزاوَرُ عَنْ كَهْفِهِمْ ذاتَ (١) (٢)
__________________
(١) أي ما ترتفقون به ، أي تنتفعون من غداء وعشاء.
(٢) أي تميل عنه.
![التفسير الوسيط [ ج ٢ ] التفسير الوسيط](/_next/image?url=https%3A%2F%2Flib.rafed.net%2FBooks%2F4061_altafsir-alwasit-02%2Fimages%2Fcover.jpg&w=640&q=75)
