الْمُهْتَدِ وَمَنْ يُضْلِلْ فَلَنْ تَجِدَ لَهُمْ أَوْلِياءَ مِنْ دُونِهِ وَنَحْشُرُهُمْ يَوْمَ الْقِيامَةِ عَلى وُجُوهِهِمْ عُمْياً وَبُكْماً وَصُمًّا مَأْواهُمْ جَهَنَّمُ كُلَّما خَبَتْ زِدْناهُمْ سَعِيراً (٩٧)) (١) (٢) [الإسراء : ١٧ / ٩٤ ـ ٩٧].
هذه الآيات واردة على سبيل التوبيخ والتعجب من النبي صلىاللهعليهوسلم كأنه يقول مستغربا متعجبا من المشركين : ما شاء الله كان ، ما منع الناس أن يؤمنوا إذ جاءهم الهدى إلا هذه العلة التافهة (النّزرة) وهي كون الرسل بشرا ، وهذا ليس أمرا بدعا ولا غريبا ، فكون الرسل بشرا من جنس المرسل إليهم هو الأمر الصحيح ، ليقع الإفهام وتحدث المناقشة المنطقية ، والتمكن من النظر ، فلو فرض أن في الأرض ملائكة يسكنونها مطمئنين ، أي وادعين فيها مقيمين ، لكان الرسول إليهم من الملائكة ، ليحدث الإفهام بلغة المخاطبين ، ولو بعث للبشر ملك ، لنفرت طبائعهم من رؤيته ، ولم تحتمله أبصارهم ، وإنما أجرى الله الأمر على حسب المعتاد والمصلحة ، واللطف والرحمة بالعباد.
وهذا ما أمر الله به نبيه أن يقول : إن مقتضى الحكمة ومنطق الأشياء والرحمة بالناس المدعوين للإيمان : أن يبعث إليهم الرسول من جنسهم ، ليناقشهم ويخاطبهم ، ويفهموا منه ، فليس إرسال الرسول لمجرد إلقاء الموحى به إليه ، ولو كان الرسول ملكا لما استطاعوا مواجهته ، ولا الأخذ عنه ، فإن الشيء يألف جنسه ويأنس به ، فطبيعة الملك لا تصلح للاجتماع بالبشر ، وعقد حوار معهم حول أحكام التشريع ، وتبيان أصول العقيدة ، وأداء الرسالة.
بل إن إرسال الرسول من البشر نعمة وحكمة ومنّة عظمي ، كما قال الله تعالى : (لَقَدْ مَنَّ اللهُ عَلَى الْمُؤْمِنِينَ إِذْ بَعَثَ فِيهِمْ رَسُولاً مِنْ أَنْفُسِهِمْ) [آل عمران : ٣ / ١٦٤] أي من جنسهم.
ثم أرشد الله تعالى إلى حجة أخرى في الموضوع حين قال المشركون للنبي : فمن
__________________
(١) سكن لهيبها.
(٢) زدناهم توقدا ولهبا.
![التفسير الوسيط [ ج ٢ ] التفسير الوسيط](/_next/image?url=https%3A%2F%2Flib.rafed.net%2FBooks%2F4061_altafsir-alwasit-02%2Fimages%2Fcover.jpg&w=640&q=75)
