نزلت الآية الأولى : (وَإِنْ كادُوا لَيَفْتِنُونَكَ) في شأن قريش أو ثقيف ، لأنهم قالوا للنبي : لا ندعك تستلم الحجر الأسود حتى تمسّ أوثاننا ، وتلمّ بآلهتنا ، فنزلت الآية تنهاه عن ذلك.
ونزلت الآية الثانية : (وَإِنْ كادُوا لَيَسْتَفِزُّونَكَ) في اليهود الذين قالوا : إن كنت نبيا فالحق بالشام ، فإن الشام أرض الحشر ، وأرض الأنبياء ، قاصدين بذلك إجلاءه من مكة أو المدينة ، فنزلت الآية تهددهم بالإبادة ، ونفّذ الله عليهم الوعيد في أنهم لم يلبثوا خلف النبي إلا قليلا ، وهو يوم بدر.
والمعنى : همّ المشركون وحاولوا فتنة النبي صلىاللهعليهوسلم عن دينه ، وإقرارهم وثنيتهم ، وحينئذ لو اتّبع النبي ما يريدون ، وفعل ما يطلبون لاتخذوه خليلا : صديقا لهم ، وأظهروا للناس أنه موافق على ما هم عليه من الشرك. ولولا تثبيت الله لنبيه على الحق ، وعصمته إياه من الضلال والانحراف لقارب الميل لخداعهم ومكرهم ميلا قليلا.
وإذا فعل ذلك ، عاقبه الله بعقوبة مضاعقة في الدنيا والآخرة ، وهو المراد بضعف الحياة وضعف الممات ، أي ضعف عذاب الدنيا ، وضعف عذاب الآخرة ، لأن ذنب القائد أو العظيم ذنب شديد ، يستحق عقابا أشد وأعظم ، وإذا عوقب لن يجد أحدا يناصره ويدفع عنه الأذى ، لأن السلطان المطلق في الحساب والعذاب إنما هو لله جل جلاله.
ولقد قارب أهل مكة واليهود أيضا أن يزعجوك يا محمد بعداوتهم ومكرهم ، ويخرجوك من أرضهم التي أنت فيها ، وهي أرض مكة أو أرض المدينة ، وإذا طردوك وأخرجوك ، لا يبقون بعد إخراجك إلا زمانا قليلا ، فإن الله مهلكهم ، ومدمرهم بسرعة ، ونفّذ هذا الوعيد عليهم ، فقد أهلكهم الله في موقعة بدر بعد إخراجه بقليل ، وهو ثمانية عشر شهرا هجرية.
![التفسير الوسيط [ ج ٢ ] التفسير الوسيط](/_next/image?url=https%3A%2F%2Flib.rafed.net%2FBooks%2F4061_altafsir-alwasit-02%2Fimages%2Fcover.jpg&w=640&q=75)
