مرادهم ، ويعطي من أراد الله ما يشاء بحسب علمه وحكمته ، أي إن العطاء بحسب مشيئة الله ، لا بحسب محبة العبد ، ولمن يشاء الله ، لا لكل من أراد الدنيا ، ثم يجعل الله جهنم لجميع من يريد العاجلة وهو كافر بالله وبالآخرة ، سواء من أعطاه فيها ما يشاء ، ومن حرمه ، فأهل الدنيا لا يعطون كل ما يريدون ، وإنما يعطون بعض ما يتمنون. ومن يحرم من نعيم الدنيا يجمع بين فقر الدنيا وفقر الآخرة. إنهم أي أهل الدنيا يصلون ، أي يدخلون جهنم ، مذمومين ، أي ملومين ، مدحورين ، أي مطرودين من رحمة الله تعالى ، فيكون عذابهم متصفا بصفات ثلاث : الدوام ، والإذلال ، والطرد من رحمة الله.
وأما الفريق الثاني : فهم المؤمنون الأتقياء أهل الآخرة ، الذين يعملون لها ما استطاعوا من القرب والطاعات ، وهم مؤمنون مصدّقون بالله وكتبه ورسله واليوم الآخر ، وهؤلاء أهل الكمال المشكورون على طاعتهم المثابون على أعمالهم من ربهم ، بسبب ملازمتهم أعمال الخير ، والتزام حكم الشرع وطرقه. هذا هو قانون الجزاء الأخروي ، أما الرزق في الدنيا فلا يرتبط بالإيمان أو الكفر ، وإنما يرزق الله تبارك وتعالى في الدنيا مريدي الآخرة المؤمنين ، ومريدي العاجلة الكافرين ، ويمدهم بعطائه منها ، وإنما يقع التفاضل والتباين في الآخرة ، لأنها خير من الدنيا وأدوم وأخلد ، أما الدنيا فهي فانية ، ولا شأن لها عند الله تعالى ، فيكون الرزق المادي فيها لجميع العباد ، ولا يضيق رزق الله عن مؤمن ولا عن كافر ، فلينظر الإنسان كيف يمدّ الله تعالى بعطائه الدنيوي كلا الفريقين : مريدي الدنيا ومريدي الآخرة ، فيمنحهم الله المال والأولاد والصحة والشرف والجاه ، والزينة والحظ ، والعز في الدنيا ، لأنّ الدنيا عند الله تعالى لا تساوي جناح بعوضة.
غير أن الرزق والعطاء الدنيوي متفاوت ، متفاضل ، يفضّل بعض الناس على بعض في الرزق والمتاع ، فقد يعطي الله المال والثروة لكافر ، ويمنعه عن كافر آخر ،
![التفسير الوسيط [ ج ٢ ] التفسير الوسيط](/_next/image?url=https%3A%2F%2Flib.rafed.net%2FBooks%2F4061_altafsir-alwasit-02%2Fimages%2Fcover.jpg&w=640&q=75)
