التكليف الشاق على الأنفس كالجهاد هو الذي يحقق الغرض من الاختبار ، ويظهر المخلص من المنافق.
ففي الحفاظ على الأسرار الخاصة بالأمة دليل على صدق الإيمان ، لذا حذر القرآن من تسريب الأخبار إلى العدو ، كما جاء في قوله سبحانه : (يا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا لا تَتَّخِذُوا بِطانَةً مِنْ دُونِكُمْ لا يَأْلُونَكُمْ خَبالاً وَدُّوا ما عَنِتُّمْ قَدْ بَدَتِ الْبَغْضاءُ مِنْ أَفْواهِهِمْ وَما تُخْفِي صُدُورُهُمْ أَكْبَرُ ..) [آل عمران : ٣ / ١١٨].
ثم أناط الله تعالى أهلية عمارة المساجد بالمؤمنين ، وسلبها من المشركين ، فقال تعالى : (ما كانَ لِلْمُشْرِكِينَ أَنْ يَعْمُرُوا مَساجِدَ اللهِ ..) أي ما ينبغي وما يصح لهم وما يستقيم أن يعمروا مساجد الله ومنها المسجد الحرام بالإقامة فيه للعبادة ، أو للخدمة والولاية عليه ، ولا أن يدخلوه حجاجا أو عمّارا ، وهم شاهدون على أنفسهم بالكفر ، بشهادة الحال والمقال ، بعبادة الأصنام ، والطواف بالبيت الحرام عراة ، وكلما طافوا بالكعبة شوطا سجدوا لها. فهم بهذا جمعوا بين الضدين : عمارة بيت الله والكفر به. أولئك المشركون بالله حبطت أعمالهم بشركهم ، فلا ثواب لهم ، وهم في نار جهنم خالدون لعظم ما ارتكبوه ، فإن الكفر محبط للعمل ، ولا ثواب لصاحبه في الآخرة. قال تعالى : (وَقَدِمْنا إِلى ما عَمِلُوا مِنْ عَمَلٍ فَجَعَلْناهُ هَباءً مَنْثُوراً (٢٣)) [الفرقان : ٢٥ / ٢٣].
وإذا كان المشركون غير أهل لعمارة المساجد ، بسبب كفرهم ، فإنما الذي يستحق عمارة المساجد بالحق والواجب وهو أهل لها من اتصف حقا بالإيمان بالله تعالى إيمانا صحيحا ، بالاعتراف بوجوده وتوحيده ، وتخصيصه بالعبادة والتوكل عليه ، وآمن أيضا باليوم الآخر الذي يحاسب الله فيه العباد ، ويجزي فيه بالثواب للمحسنين وبالعقاب للمسيئين ، وأقام الصلاة المفروضة على الوجه الأكمل بأركانها وشروطها
![التفسير الوسيط [ ج ١ ] التفسير الوسيط](/_next/image?url=https%3A%2F%2Flib.rafed.net%2FBooks%2F4060_altafsir-alwasit-01%2Fimages%2Fcover.jpg&w=640&q=75)
