ولكن الله تعالى أخبرهم بأن هذه النفقة ستكون وبالا عليهم في الدنيا والآخرة ، وتصف الآية ذلك ، ومعناها : إن الذين كفروا بالله ورسوله يقصدون من الإنفاق صدّ الناس عن اتّباع محمد ، وهو سبيل الله تعالى ، وحين ينفقون أموالهم تكون عاقبة هذا الإنفاق في النهاية لحرب النبي صلىاللهعليهوسلم والصدّ عن دينه ندما وحسرة ، فكأنها في ذاتها تصير ندما وتنقلب حسرة ، أي أنها لا تحقق المقصود ، وإنما تؤدي إلى عكسه ، وهو الوقوع في الحسرة والندامة ، كما قال الله تعالى في شأن صاحب الجنة (البستان) التي أحرقها الله بسبب كفره : (فَأَصْبَحَ يُقَلِّبُ كَفَّيْهِ عَلى ما أَنْفَقَ فِيها وَهِيَ خاوِيَةٌ عَلى عُرُوشِها وَيَقُولُ يا لَيْتَنِي لَمْ أُشْرِكْ بِرَبِّي أَحَداً) [الكهف : ١٨ / ٤٢] لأنه مال ضائع في سبيل الشيطان ، ولا يؤدي إلى النصر ، وإنما على العكس مصيره إلى الهزيمة ، فهم يغلبون وينكسرون ، كما قال الله تعالى : (كَتَبَ اللهُ لَأَغْلِبَنَّ أَنَا وَرُسُلِي إِنَّ اللهَ قَوِيٌّ عَزِيزٌ (٢١)) [المجادلة : ٥٨ / ٢١].
هذا عذابهم في الدنيا : ضياع المال والهزيمة : وعذابهم في الآخرة : أنهم يساقون إلى جهنم ، إذا أصرّوا على كفرهم وماتوا وهم كفار ، لأن منهم من أسلم وحسن إسلامه.
أما المسلمون المؤمنون إذا أنفقوا أموالهم في سبيل الله ، فيتحقق إما النصر في الدنيا ، وإما الثواب في الآخرة ، أو الأمران معا وسعادة الدارين.
هذه مقارنة واضحة تبين فائدة الإنفاق في سبيل الخير ، وضرر الإنفاق في سبيل الشر والشيطان ، والله تعالى في قضائه وقدره وعلمه الأزلي كتب النصر للمؤمنين ، والهزيمة للكافرين وضياع أموالهم ، وإيقاع الحسرة والألم في قلوبهم ، ليميز أي يفصل الفريق الخبيث من الفريق الطيب ، أي يفرّق بين الفريقين وهما فريق الكافرين ، وفريق المؤمنين ، أو فريق أهل الشقاء وفريق أهل السعادة ، ويجعل الخبيث بعضه متراكما فوق بعض في جهنم ، أولئك هم الخاسرون في الدنيا والآخرة.
![التفسير الوسيط [ ج ١ ] التفسير الوسيط](/_next/image?url=https%3A%2F%2Flib.rafed.net%2FBooks%2F4060_altafsir-alwasit-01%2Fimages%2Fcover.jpg&w=640&q=75)
