داعين الله أن يغفر ذنوبهم ، ومظهرين الخضوع والخشوع لله تعالى قائلين : (حِطَّةٌ) أي أمرنا حطة ، والمعنى : حط عنا أوزارنا وخطايانا ، ووعدهم الله على الطاعة بشيئين : الغفران وزيادة الإحسان. قال الله تعالى : (لِلَّذِينَ أَحْسَنُوا الْحُسْنى وَزِيادَةٌ) [يونس : ١٠ / ٢٦] أي الجنة والنظر لوجه الله تعالى الكريم.
أمرهم الله أن يسكنوا القرية ، والسكنى أخص من الدخول ، فمن يسكن يدخل قطعا ، ولا عكس. والدخول لأجل الأكل يعقبه الأكل ، والمراد الإذن بالانتفاع بخيرات المدينة أو القرية ، حيث شاؤوا ، حضرا أو سفرا ، ليلا ونهارا. ولكن طبيعة الإسرائيليين الغريبة التي يغلب عليها العصيان والتمرد ، أبت عليهم إلا تحدي الأمر الإلهي والتنكر له ، والتجرؤ على المخالفة بالقول والفعل ، فقالوا وهم داخلون إلى القرية : «حبّة في شعرة» أو «حنطة في شعيرة» بدل (حِطَّةٌ) وزحفوا على أستاههم (أدبارهم) بدل تنكيس رؤوسهم وخشوعهم وتواضعهم لله ، شكرا على نعمه عند دخول القرية ، والتنعم بخيراتها من طعام وفاكهة وشراب.
وبدّل القوم الظالمون أنفسهم القول غير القول الذي قيل لهم. ومعنى (بدل) غير اللفظ دون أن يذهب بجميعه ، وأبدل : إذا ذهب وجاء بلفظ آخر.
والمراد قول بني إسرائيل : «حبة في شعرة أو حنطة في شعيرة» فكانت النتيجة أن الله تعالى صب عليهم عذابا من السماء صبا ، بسبب ظلمهم أنفسهم وغيره ، وبسبب فسقهم وخروجهم عن طاعة الله تعالى ، إلى طاعة أهوائهم وشياطينهم ، ولسخريتهم من أوامر الله تعالى.
لقد أمر قوم موسى بدخول قرية في الأرض المقدسة ، وقتال أهلها من العمالقة وإخراجهم منها ، فتمردوا على الأمر الإلهي ، وردوا على موسى عليهالسلام فابتلوا بالتشرد والضياع أربعين سنة في صحراء التيه.
![التفسير الوسيط [ ج ١ ] التفسير الوسيط](/_next/image?url=https%3A%2F%2Flib.rafed.net%2FBooks%2F4060_altafsir-alwasit-01%2Fimages%2Fcover.jpg&w=640&q=75)
