ونحوهما ، يجعل السّراء والنعمة ، وهذا بحسب ما عند الناس ، وإلا فقد يكون العكس ، ينعم الله على بعض العباد بالبلوى العظيمة لتخليصهم من الدّاء ، ويبتلي الله بعض القوم بالنّعم ليختبرهم فيما يفعلون. والسّيئة : كل ما يسوء صاحبه ، والحسنة : ما يستحسنه الطبع والعقل.
إن الله تعالى يبدّل مكان السيئة الحسنة لحكمة هي التّذكر والاتّعاظ ، وتكون الحسنة عامّة شاملة ، فتستمر الحسنة حتى عفوا ، أي حتى كثروا وكثرت أموالهم وأولادهم ، يقال : عفا الشيء : إذا كثر ، لأن الرّخاء يكون عادة سببا في كثرة النّسل.
والعبرة تكون حين يقول العصاة بعد الرّخاء : قد أصابنا من البأساء والضّراء وما بعده من الرّخاء ، مثلما أصاب آباءنا في قديم الزمان ، فهؤلاء آباؤنا قد مسّتهم الضّراء والسّراء ، وحلّ بهم الضيق والفرج ، والعسر واليسر ، وما نحن إلا مثلهم ، أي إن هذا التّقلب له سابقة في الزمن ، فلا شيء فيه ، وهذا قول من لم يتّعظ ولم يتأمل في أحداث الزمان. والواقع أن إرسال النعمة بعد النقمة استدراج واختبار ، وكان مصير هؤلاء الذين لم يعتبروا بالأحداث هو إنزال العقاب الشديد بهم ، وكان عاقبة أمرهم أن الله عاقبهم فجأة ، من غير شعور منهم بما ينزل بهم من العقاب ، ليكون أكثر حسرة ، كما قال الله تعالى : (فَلَمَّا نَسُوا ما ذُكِّرُوا بِهِ فَتَحْنا عَلَيْهِمْ أَبْوابَ كُلِّ شَيْءٍ حَتَّى إِذا فَرِحُوا بِما أُوتُوا أَخَذْناهُمْ بَغْتَةً فَإِذا هُمْ مُبْلِسُونَ (٤٤)) [الأنعام : ٦ / ٤٤] أي آيسون من الرّحمة.
وأما المؤمن فليس هذا حاله ، إنه كما جاء في حديث الصحيحين : «عجبا لأمر المؤمن ، لا يقضي الله له قضاء إلا كان خيرا له ، إن أصابته ضرّاء صبر ، فكان خيرا له ، وإن أصابته سرّاء شكر ، فكان خيرا له» أي أن المؤمن يتنبّه لما ابتلاه به من الضّراء (الضّرر) والسّراء (السرور).
![التفسير الوسيط [ ج ١ ] التفسير الوسيط](/_next/image?url=https%3A%2F%2Flib.rafed.net%2FBooks%2F4060_altafsir-alwasit-01%2Fimages%2Fcover.jpg&w=640&q=75)
