الأبرار في ضلالة ، وهم دائما أعداء الهداة والمصلحين. والأظهر أن قولهم : (إِنَّا لَنَراكَ) هي رؤية القلب.
فأجابهم نوح عليهالسلام على سبيل الأدب الجمّ والإعراض عن جفائهم ، وسعة الصدر التي تتميز بها أخلاق الأنبياء : لست بهدايتكم إلى توحيد الله ودعوتكم إلى سعادة الدنيا والآخرة ممن اتّصف بالضّلالة والانحراف ، ولكني رسول من عند الله ربّ العالمين. وقوله : (وَلكِنِّي رَسُولٌ) تعرض لمن يريد النظر والبحث والتأمل ، في المعجزة النّبوية. ولا شكّ بأن نوحا عليهالسلام وكل نبي مبعوث إلى الخلق كانت له معجزة تخرق العادة ، فمنهم من عرفنا معجزته ، ومنهم من لم نعرف.
أبلغكم ما أرسلني به ربّي من الدعوة إلى التوحيد الخالص ، والإيمان بالله وملائكته وكتبه ورسله واليوم الآخر ، وما اشتمل عليه من جنّة ونار ، وثواب وعقاب ، وأبيّن لكم أصول العبادات والمعاملات وأحكامها العامة وفضائل الأخلاق والآداب. وأنصح لكم نصحا خالصا من شوائب المصلحة والمكر ، بتحذيركم من عقاب الله على كفركم وتكذيبكم لي. وأنا في هذا التّبليغ والنّصح أعلم من الله ما لا تعلمون ، أي أعلم المعلومات المخوّفات عليكم ، لا سيما وهم لم يسمعوا بأمة قط عذّبت ، فاللفظ فيه معنى الوعيد والتخويف.
(أَوَعَجِبْتُمْ أَنْ جاءَكُمْ ذِكْرٌ مِنْ رَبِّكُمْ) هذا الاستفهام بمعنى التقرير والتوبيخ على ما وقع منهم على جهة الاستبعاد ، أي كيف تتعجّبون من مجيء تذكير إلهي يذكّركم ، ووعظ من ربّكم ، على لسان رجل منكم ، ليحذّركم عاقبة كفركم ، وينذركم عاقبة الشّرك في العبادة ، وليحملكم على تقوى الله بالتزام الأوامر الإلهية واجتناب النّواهي ، للنّجاة من العذاب ، ولكي يرحمكم الله بتقواه إن وجدت منكم.
فالوحي من الله إلى رجل من جنسكم رحمة بكم ، ولطف وإحسان إليكم ،
![التفسير الوسيط [ ج ١ ] التفسير الوسيط](/_next/image?url=https%3A%2F%2Flib.rafed.net%2FBooks%2F4060_altafsir-alwasit-01%2Fimages%2Fcover.jpg&w=640&q=75)
