إن مدار القرآن الكريم وغايته الجوهرية في العقيدة إثبات أسس أربعة : وهي التوحيد لله ، والنّبوة ، والمعاد ، والقضاء والقدر ، وإثبات المعاد متوقّف على إثبات التوحيد والقدرة والعلم ، وإثبات هذه الأصول يتمثّل في خلق الإنسان وخلق السماوات والأرض.
وهذه الآية خطاب عام لجميع البشر ، يقتضي التوحيد وإقامة الحجة عليه بدلائله ، فالله سبحانه هو الرّب ، أي المالك والسيد المطلق ومتولّي جميع شؤون المخلوقات ، فيستحقّ العبودية له وحده ، والعبادة وحده ، والاستعانة به وحده ؛ لأنه هو الذي خلق الكون والعالم كله ، خلق السماوات السبع والأراضي السبع وما بين ذلك من الموجودات والكائنات الحيّة ، خلقها في ستة أيام ، واليوم في رأي مجاهد وأحمد بن حنبل كألف سنة ، كما قال الله تعالى : (وَإِنَّ يَوْماً عِنْدَ رَبِّكَ كَأَلْفِ سَنَةٍ مِمَّا تَعُدُّونَ) [الحجّ : ٢٢ / ٤٧]. وأما يوم القيامة فقال الله في وصفه : (فِي يَوْمٍ كانَ مِقْدارُهُ خَمْسِينَ أَلْفَ سَنَةٍ) [المعارج : ٧٠ / ٤].
ولو أراد الله خلق السماوات والأرض في لحظة لفعل ، ولكنه سبحانه له حكمة بالغة في ذلك ، انفرد بعلمها عزوجل كسائر أحوال الشرائع ، وكأن الحكمة في تصوّرنا تعليم العباد التّأني والتّثبّت في الأمور ، والاعتماد في كل شيء على الإتقان والإحكام ، ولإعلام الناس أن خلق السماوات والأرض أمر عظيم ليس بالشيء الهيّن ، كما قال سبحانه : (لَخَلْقُ السَّماواتِ وَالْأَرْضِ أَكْبَرُ مِنْ خَلْقِ النَّاسِ) [غافر : ٤٠ / ٥٧].
وكان خلق الأرض في يومين ، وخلق الجبال الرواسي وأنواع النبات والحيوان في يومين آخرين ، وخلق السماوات وما فيها من عوالم وأفلاك ، وكواكب وأبراج في يومين.
![التفسير الوسيط [ ج ١ ] التفسير الوسيط](/_next/image?url=https%3A%2F%2Flib.rafed.net%2FBooks%2F4060_altafsir-alwasit-01%2Fimages%2Fcover.jpg&w=640&q=75)
