|
فقلت يمين الله أبرح قاعدا |
|
ولو قطعوا رأسي لديك وأوصالي |
أراد بذلك : لا أبرح ؛ وكان أبو العباس (١) ينكر إضمار حرف النفي في هذه الآية ويقول : (هذا إنّما يكون في تصريح اليمين) كقولك : والله أقوم ؛ بمعنى والله لا أقوم. وأما في مثل هذا الموضع ، فلا يجوز حذف حرف النفي. قال : (والصّواب أنّ معناه : لا تجعلوا الله عرضة لأيمانكم كراهة أن تبرّوا). فحذف المضاف وأقيم المضاف إليه مقامه ؛ ونظير هذا قوله تعالى : (وَلا يَأْتَلِ أُولُوا الْفَضْلِ مِنْكُمْ وَالسَّعَةِ أَنْ يُؤْتُوا أُولِي الْقُرْبى وَالْمَساكِينَ)(٢).
وذهب بعض المفسرين إلى أنّ معنى الآية : (وَلا تَجْعَلُوا اللهَ عُرْضَةً لِأَيْمانِكُمْ) أي لا تعترضوا باليمين بالله تعالى في كلّ حقّ وباطل ؛ وهو نهي عن كثرة الحلف ، لما في ذلك من الجرأة على الله عزوجل والابتذال لاسمه في كلّ حقّ وباطل. يقال : هذه عرضة لك ؛ أي عدة لك تبتذلها فيما تشاء. ومعنى (أَنْ تَبَرُّوا) على هذا الإثبات ؛ أي لا تحلفوا في كلّ شيء لأن تبرّوا إذا حلفتم وتتّقوا المآثم فيها.
ويجوز أن يكون قوله تعالى : (أَنْ تَبَرُّوا) مبتدأ ، وخبره محذوف تقديره : أن تبرّوا وتتّقوا وتصلحوا بين النّاس ؛ أي أولى. فعلى هذا يكون موضع (أَنْ تَبَرُّوا) رفعا. وعلى التأويل الأول يكون نصبا ؛ لأن معناه : لأن تبرّوا ، موضعه نصب بنزع الخافض.
وقال مقاتل : (نزلت في أبي بكر الصّدّيق رضي الله عنه حين حلف لا يصل ابنه عبد الرّحمن حتّى يسلم) (٣). وقال ابن جريج : (نزلت في أبي بكر الصّدّيق رضي الله عنه حين حلف لا ينفق على مسطح حين خاض في حديث الإفك) (٤).
__________________
(١) أبو العباس محمد بن يزيد المبرّد ، شيخ أهل النحو ، وحافظ علم العربية ، وكان عالما فاضلا موثوقا به في الرواية ، توفي في شوال سنة خمس وثمانين ومائتين. ترجم له الخطيب في تاريخ بغداد : الرقم (١٨١٤) : ج ٤ ص ١٥١.
(٢) النور / ٢٢.
(٣) قاله مقاتل في التفسير : ج ١ ص ١١٩.
(٤) أخرجه الطبري في جامع البيان : النص (٣٤٩٦).
![التفسير الكبير [ ج ١ ] التفسير الكبير](/_next/image?url=https%3A%2F%2Flib.rafed.net%2FBooks%2F4059_altafsir-alkabir-01%2Fimages%2Fcover.jpg&w=640&q=75)
