وقوله تعالى : (لِمَنِ اتَّقى) قال الكلبيّ : (معناه : لمن اتّقى قتل الصّيد ، فإنّه لا يحلّ له أن يقتل صيدا حتّى يخلف أيّام التّشريق). وقال قتادة : (معناه : لمن اتّقى أن يصيب في حجّته شيئا ممّا نهى الله عنه). وقال أبو العالية : (معناه : فلا إثم عليه لمن اتّقى الله فيما بقي من عمره). وكان ابن مسعود يقول : (إنّما جعل مغفرة للذّنوب لمن اتّقى الله في حجّه). قال ابن جريج : (وهي في مصحف عبد الله : فلا إثم عليه لمن اتّقى الله). وعن ابن عباس : (معناه : لمن اتّقى عبادة الأوثان ومعاصي الله). فإن قيل كيف قال الله تعالى : (وَمَنْ تَأَخَّرَ فَلا إِثْمَ عَلَيْهِ) ومعلوم أنّ من تأخر إنّما تأخّر لإقامة واجب ، فلا يليق بحاله أن يقال : فلا إثم عليه ، بل يليق أن يقال : ومن تأخر كان أعظم لأجره؟ قيل : هذا على مزاوجة الكلام.
وقيل : إنّ رمي الجمار لا يجوز أن يكون تطوّعا ؛ إذ المتنفل به يكون غائبا ؛ فلمّا قال الله تعالى : (فَمَنْ تَعَجَّلَ فِي يَوْمَيْنِ فَلا إِثْمَ عَلَيْهِ) أوهم ذلك كون الرمي في ذلك اليوم الثالث تطوّعا ؛ لأنّ هذا تخيير بين فعله وتركه ، فقال تعالى : (وَمَنْ تَأَخَّرَ فَلا إِثْمَ عَلَيْهِ) ليبيّن أنّ هذا واجب خيّر بين فعله.
فصل : والأيام المسمّاة في الحجّ ستة أيام : يوم التّروية ؛ ويوم عرفة (١) ؛ ويوم النّحر ؛ ويوم القرّ ؛ ويوم النّفر ؛ ويوم الصّدر. وسمي يوم التروية لأنّ جبرائيل عليهالسلام قال لإبراهيم عليهالسلام : [احمل ريّك من الماء]. وأما عرفة فقد ذكرنا لم سمي به ، ويوم النّحر معلوم ؛ ويوم القرّ لاستقرار الناس بمنى ، ويوم النّفر لأنّهم ينفرون من منى إلى مكة ، ويوم الصّدر لأنّهم يصدرون إلى أهاليهم. ورمي الجمار مشروع في يوم القرّ والنفر والصدر ؛ وهي أيام التشريق.
قوله عزوجل : (وَاتَّقُوا اللهَ وَاعْلَمُوا أَنَّكُمْ إِلَيْهِ تُحْشَرُونَ) (٢٠٣) ؛ هذا أمر لهم بالتقوى في مستقبل أعمارهم ؛ أي لا تتّكلوا فيما أسلفتم من أعمال البرّ ، ولكن زيدوا في الطاعة في باقي العمر. وقوله تعالى : (وَاعْلَمُوا أَنَّكُمْ إِلَيْهِ تُحْشَرُونَ) أي في الآخرة يجازيكم بأعمالكم ؛ إذ الحشر إنّما يكون للمجازاة ، ومن تصوّر أنه لا بد
__________________
(١) سقط من المخطوط : (ويوم عرفة).
![التفسير الكبير [ ج ١ ] التفسير الكبير](/_next/image?url=https%3A%2F%2Flib.rafed.net%2FBooks%2F4059_altafsir-alkabir-01%2Fimages%2Fcover.jpg&w=640&q=75)
