الإسراف في الإنفاق حتى لا يبقي له شيئا يأكله فيتلف. وقيل : هو أن يخرج بين الصفّين فيستقتل من غير قصد بنكاية العدوّ.
وقيل : معنى (وَلا تُلْقُوا بِأَيْدِيكُمْ إِلَى التَّهْلُكَةِ) أي لا يقل : ليس عندي شيء. وقال الحسن : (إنّهم كانوا ينفرون للغزو ولا ينفقون من أموالهم ، فأنزل الله هذه الآية) (١). وقال مقاتل : (لمّا أمر الله تعالى بالإنفاق ؛ قال رجل : أمرنا بالنّفقة في سبيل الله ؛ فإن أنفقنا أموالنا بقينا فقراء ذوي مسكنة ، فقال الله تعالى : (وَلا تُلْقُوا بِأَيْدِيكُمْ إِلَى التَّهْلُكَةِ) يعني أنفقوا ولا تخشوا الفقر فإنّي رازقكم ومخلف عليكم).
وعن أبي الدّرداء وأبي هريرة وعبد الله بن عمر وجابر وأبي أمامة والحسن بن عليّ بن أبي طالب وعمران بن الحصين ؛ كلهم حدّثوا عن رسول الله صلىاللهعليهوسلم أنه قال : [من أرسل نفقة في سبيل الله وأقام في بيته فله بكلّ درهم سبعمائة درهم ، ومن غزا بنفسه فأنفق فله بكلّ درهم سبعمائة ألف درهم. ثمّ تلا هذه الآية (وَلا تُلْقُوا بِأَيْدِيكُمْ إِلَى التَّهْلُكَةِ) أي (وَلا تَيَمَّمُوا الْخَبِيثَ مِنْهُ تُنْفِقُونَ)(٢).
وقال زيد بن أسلم : (إنّ رجالا كانوا يخرجون في بعوث يبعثها رسول الله صلىاللهعليهوسلم بغير نفقة ؛ فإمّا أن يعطوهم ؛ وإمّا كانوا عيالا ووبالا. فأمرهم الله تعالى بالإنفاق على أنفسهم في سبيل الله تعالى ، فإذا لم يكن عندك ما تنفق فلا تخرج نفسك بغير نفقة ولا قوّة فتلقي بيدك إلى التّهلكة ، فتهلك من الجوع والعطش أو من المشي). التّهلكة : مصدر بمعنى الإهلاك ؛ وهو تفعلة من الهلاك. ولم يجئ من كلام العرب مصدر على تفعلة بضمّ العين إلا هذا. وقال بعضهم : التهلكة : كلّ شيء عاقبته إلى الهلاك.
قوله عزوجل : (وَأَحْسِنُوا إِنَّ اللهَ يُحِبُّ الْمُحْسِنِينَ) (١٩٥) ؛ أي (أحسنوا) في النفقة والإفضال على المحتاج. وروى أبو الجوزاء (٣) عن ابن عبّاس رضي الله عنه : قال :
__________________
(١) أخرجه الطبري في جامع البيان : النص (٢٥٨١).
(٢) البقرة / ٢٦٧.
(٣) في المخطوط : أبو الحوري ، وهو تحريف. وأبو الجوزاء هو أوس بن عبد الله الربعي البصري ، من ربعة الأزد ، تابعي روى عن أبي هريرة وعائشة وابن عباس وغيرهم. ترجم له ابن حجر في التهذيب : الرقم (٦١٩) ونقل عن العجلي قال : تابعي ثقة.
![التفسير الكبير [ ج ١ ] التفسير الكبير](/_next/image?url=https%3A%2F%2Flib.rafed.net%2FBooks%2F4059_altafsir-alkabir-01%2Fimages%2Fcover.jpg&w=640&q=75)
