وقد روي عن بعضهم أنه كان يقول في هذه الآية : (ليس البرّ أن تطلبوا المعروف من غير أهله ، ولكن اطلبوه من أهله).
قوله عزوجل : (وَقاتِلُوا فِي سَبِيلِ اللهِ الَّذِينَ يُقاتِلُونَكُمْ) ؛ أي وقاتلوا في دين الله وطاعته الذين يقاتلونكم. قال الربيع وعبد الرحمن بن زيد : (هذه أوّل آية نزلت في القتال ، وذلك أنّ رسول الله صلىاللهعليهوسلم وأصحابه خرجوا في العام الّذي أرادوا فيه العمرة فنزلوا بالحديبية قريبا من مكّة) (١). والحديبية اسم للبئر فسمّي ذلك الموضع باسم البئر ، فصدّه المشركون عن البيت ، فأقام بالحديبية شهرا ثمّ صالحه المشركون على أن يرجع عامه ذلك على أن يخلوا له مكّة من العام القابل ثلاثة أيّام ، فيطوف وينحر الهدي ويفعل ما يشاء ؛ وصالحوه على أن لا يكون بينه وبينهم قتال إلى عشر (٢) سنين. فرجع النّبيّ صلىاللهعليهوسلم إلى المدينة ، فلمّا كان العام المقبل تجهّز لعمرة القضاء ؛ وكانوا يخافون أن لا تفي قريش بذلك ؛ وكانوا يكرهون قتالهم في الشّهر الحرام وفي الحرم ، فأنزل الله هذه الآية.
ومعناها : وقاتلوا في طاعة الله الذين يبدأونكم بالقتال ؛ (وَلا تَعْتَدُوا) ؛ أي ولا تنقضوا العهد بالبداءة بقتالهم قبل تقديم الدعوة ، (إِنَّ اللهَ لا يُحِبُّ الْمُعْتَدِينَ) (١٩٠) ؛ أي المتجاوزين عن الحدود ؛ أي لا يرضى عنهم عملهم. فلما نزلت هذه الآية كان صلىاللهعليهوسلم يقاتل من قاتله ويكفّ عمن كفّ عنه ، حتى نزل قوله تعالى : (فَاقْتُلُوا الْمُشْرِكِينَ حَيْثُ وَجَدْتُمُوهُمْ)(٣) فنسخت هذه الآية وأمر بالقتال مع المشركين كافّة (٤).
وقال بعضهم : هذه الآية محكمة أمر رسول الله صلىاللهعليهوسلم بالقتال ولم ينسخ شيء من حكم هذه الآية ؛ فعلى هذا القول معنى قوله : (وَلا تَعْتَدُوا) أي لا تقتلوا النساء والصبيان والشيخ الكبير ولا من ألقى إليكم السّلم وكفّ يده عن قتالكم ؛ فإن فعلتم
__________________
(١) أخرجه الطبري في جامع البيان : النص (٢٥٣٠ و ٢٥٣١).
(٢) في المخطوط : عشرين سنة. والصحيح كما أثبتناه.
(٣) التوبة / ٥.
(٤) أخرجه الطبري في جامع البيان : النص (٢٥٤٧) من قول قتادة.
![التفسير الكبير [ ج ١ ] التفسير الكبير](/_next/image?url=https%3A%2F%2Flib.rafed.net%2FBooks%2F4059_altafsir-alkabir-01%2Fimages%2Fcover.jpg&w=640&q=75)
