قوله : (فلا إثم عليه) أي فلا حرج عليه في أكلها ، (إِنَّ اللهَ غَفُورٌ) ؛ لمن أكل من الحرام في حالة الاضطرار ، (رَحِيمٌ) (١٧٣) ؛ به حيث رخّص له في ذلك ، فإن قيل : قوله تعالى : (فَلا إِثْمَ عَلَيْهِ) تناقض قوله : (إِنَّ اللهَ غَفُورٌ رَحِيمٌ) ؛ لأنّ الغفران يقتضي إثبات الإثم؟ قيل : لأنه بالغفران قد يسّر ما لو لا الإباحة لكانت معصية ، وبرحمته جوّز عند الضرورة إحياء النفس بتناوله.
قوله عزوجل : (إِنَّ الَّذِينَ يَكْتُمُونَ ما أَنْزَلَ اللهُ مِنَ الْكِتابِ) ، نزل في علماء اليهود والنصارى ، قال الكلبيّ : عن أبي صالح عن ابن عباس : (كان علماء اليهود يأخذون من سفلتهم الهداية ، وكانوا يرجون أن يكون النّبيّ المبعوث منهم ، فلمّا بعث الله محمّدا صلىاللهعليهوسلم من غيرهم ، خافوا ذهاب مآكلهم وزوال رئاستهم ، فعمدوا إلى صفة محمّد صلىاللهعليهوسلم فغيّروها ثمّ أخرجوها إليهم وقالوا : هذا نعت النّبيّ الّذي يخرج في آخر الزّمان ، لا يشبه نعت هذا النّبيّ الّذي بمكّة ، فإذا نظرت السّفلة إلى النّعت المغيّر وجدوه مخالفا لصفة محمّد صلىاللهعليهوسلم فلا يتّبعونه ، فأنزل الله تعالى هذه الآية (إِنَّ الَّذِينَ يَكْتُمُونَ ما أَنْزَلَ اللهُ مِنَ الْكِتابِ) يعني صفة محمّد صلىاللهعليهوسلم ونبوّته) (١)(وَيَشْتَرُونَ بِهِ) ؛ أي بالمكتوب ، (ثَمَناً قَلِيلاً) ؛ أي عوضا يسيرا ؛ يعني المآكل التي كانوا يصيبونها من سفلتهم ، (أُولئِكَ ما يَأْكُلُونَ فِي بُطُونِهِمْ إِلَّا النَّارَ) ؛ ذكر البطون ها هنا للتأكيد ؛ ما يأكلون إلا ما يوردهم النار ؛ وهي الرّشوة والحرام ، ومن الدين والإسلام ، فلما كان عاقبته النار سمّاه في الحال نارا ، كقوله تعالى : (إِنَّ الَّذِينَ يَأْكُلُونَ أَمْوالَ الْيَتامى ظُلْماً إِنَّما يَأْكُلُونَ فِي بُطُونِهِمْ ناراً)(٢) يعني أنّ عاقبته النار ، وقال عليهالسلام في الذي يشرب في الإناء الذهب والفضة : [إنّما يجرجر في بطنه نار جهنّم](٣) أخبر عن المال بالحال.
__________________
(١) في الدر المنثور : ج ١ ص ٤٠٩ ؛ قال السيوطي : «وأخرج الثعلبي بسند ضعيف عن ابن عباس : ... وذكره».
(٢) النساء / ١٠.
(٣) رواه البخاري في الصحيح : كتاب الأشربة : باب آنية الفضة : الحديث (٥٦٣٤). والإمام أحمد في المسند : ج ٦ ص ٣٠١ و ٣٠٦.
![التفسير الكبير [ ج ١ ] التفسير الكبير](/_next/image?url=https%3A%2F%2Flib.rafed.net%2FBooks%2F4059_altafsir-alkabir-01%2Fimages%2Fcover.jpg&w=640&q=75)
