هذا القرآن الخالد في نظمه ، المعجز في آياته ، وعلومه ، والذي حريّا أن يسجد له كل من آمن به ، وأوتي عقلا أو علما. وهذا ما صدق فيه قول ربنا : (قُلْ آمِنُوا بِهِ أَوْ لا تُؤْمِنُوا إِنَّ الَّذِينَ أُوتُوا الْعِلْمَ مِنْ قَبْلِهِ إِذا يُتْلى عَلَيْهِمْ يَخِرُّونَ لِلْأَذْقانِ سُجَّداً) سورة الإسراء آية ١٠٧.
ولنا التساؤل دوما : لما ذا لا يكون هذا القرآن في علومه معجزا وهو القول الفصل؟ من ابتغى الهدى في غيره ، أضله الله. فكر الحضارة النيرة ، وملاذ البشرية العاقلة. فيه تبيان لكل شيء ، وهدى ، ورحمة ، وبشرى للمسلمين ، مصداق قول ربنا فيه : (وَنَزَّلْنا عَلَيْكَ الْكِتابَ تِبْياناً لِكُلِّ شَيْءٍ وَهُدىً وَرَحْمَةً وَبُشْرى لِلْمُسْلِمِينَ) سورة النحل آية ٨٩.
ولما ذا لا يكون معجزا؟! وهو في حد ذاته برهان من عند ربنا ، وهو نور لنا. مصداق قول ربنا فيه : (يا أَيُّهَا النَّاسُ قَدْ جاءَكُمْ بُرْهانٌ مِنْ رَبِّكُمْ وَأَنْزَلْنا إِلَيْكُمْ نُوراً مُبِيناً) سورة النساء آية ١٧٤.
ثالثا : إنّ معنى الإعجاز العلمي للقرآن يجب ألا ينحصر في الشواهد والمعاني الجامدة ، والمادية ، وإنما يجب أن يتناول الشواهد ، والمعاني الروحية التي تؤهل العقل للتفكر ، والتدبر حتى يهتدي ، ويؤمن بربه.
لقد نزل القرآن الكريم معجزا في علمه ، أساس الإعجاز فيه مخاطبته للعقل البشري ، ودعوته إليه بالبحث ، والتفكير ، والتعلم ، هدفه الاسمي هدايته إلى الله خالقه ، وخالق علمه ، وخالق هذا الوجود الّذي يحيا فيه. فالقرآن في إعجازه العلمي يؤصل معاني العقلانية السليمة في الاهتداء إلى حقيقة وجودها ، وإلى حقيقة موجدها.
وما نزل القرآن إلّا لتحديد نظم هذا الوجود بمخلوقاته ، ومن ثمّ علاقتها بخالقها. والقرآن ، وإن دعا الإنسان إلى التعلم ، واكتساب المعرفة ، وتأصيل العلوم بأنواعها ، إلّا أنّ القرآن قد نزل لأعمّ من هذا ، وهو الاهتداء بهذه العلوم ، وتسخيرها من أجل الوصول إلى حقيقة الخالق. فالقرآن مجاله النفس الإنسانية ، هاديا لها ، حاثّا لها على التفكر
