ويتحببن وأن يتبادلن أنواع الهدايا ـ وإن قلت ـ لتغرس في نفوسهن وقلوبهن محبة الإجلال والاحترام له فقال ـ صلىاللهعليهوسلم ـ : «يا نساء المسلمات لا تحقرن جارة لجارتها هدية مهداة ولو فرسن شاة» الفرسن للشاة : بمنزلة القدم للإنسان. المراد : عظم قليل من اللحم وفي الحديث : حض على التهادي ولو باليسير لما فيه استجلاب المودة وإذهاب الشحناء. وما زالت الهدية شعار الأصدقاء وعنوان تذكار الولاء .. وكم جددت بين الأصحاب عهود التحاب. وعند تقديم الهدية تراعى حاجة المهدى إليه حتى لا ينطبق على المهدي قول العرب في أمثالها : يحمل التمر إلى البصرة. وقد ضرب هذا المثل لمن يهدي إلى إنسان ما هو من عنده. وعلى ذكر «الهدية» فمن الآداب الاجتماعية عند تقديم الهدية إليك أن تبادر إلى فتح اللفائف فورا أمام الشخص المقدم مع إظهار الإعجاب والسرور والشعور بالسعادة ولو كانت الحقيقة عكس ذلك! ومن غير اللائق أن ترسل سيدة أو آنسة هدايا من الأزهار أو الحلوى لأي رجل غريب مهما كانت صلتها به. ومن معاني «الهدية» : العطية .. وجمعها : عطايا ـ جمع تكسير ـ و«عطيات» جمع مؤنث سالم. وهو ما يعطى. ومثل «العطية» : العطاء .. وجمعه : أعطية. وتسمى «العطيات» : جوائز : جمع «جائزة» يقال : أول ما سميت «العطيات» جوائز كان في زمن عثمان بن عفان ـ رضي الله عنهما ـ وذلك أن والي العراق عبد الله بن عامر بعث جيشا من أهل العراق إلى كرمان مع القائد العربي ـ قطن بن عوف الهلالي ـ فجرى الوادي بسيل خيف منه الغرق. فقال القائد : من عبره فله ألف درهم. فعبر رجل ثم آخر ثم آخر حتى اجتازوه جميعا فأعطاهم ما وعدهم به فاستكثر والي العراق ذلك فكتب إلى عثمان بن عفان .. فأجاز الخليفة ما أعطى القائد «قطن» وقال : كل ما في سبيل الله فهو جائز» وإذا جاز القول «هداه» بتعدية الفعل الثلاثي «هدى» إلى مفعوله فالأصح عدم جواز تعدية الفعل الرباعي «أهدى» إلى مفعوله .. وإنما يتعدى بحرف فنقول : أهدى له أو إليه هذا الشيء ولا نقول أهداه هذا الشيء أي بتعدية الرباعي إلى مفعوله الأول بحرف وإلى مفعوله الثاني بنفسه.
** (فَلَمَّا جاءَ سُلَيْمانَ قالَ أَتُمِدُّونَنِ بِمالٍ فَما آتانِيَ اللهُ خَيْرٌ مِمَّا آتاكُمْ) : ورد هذا القول الكريم في الآية الكريمة السادسة والثلاثين .. المعنى : وحين جاء سليمان الرسول بمعنى «الرسل» لأن صيغة «فعول» يستوي فيها الواحد ـ المفرد ـ والجمع والمذكر والمؤنث. و«خير» أصلها : أخير ـ صيغة تفضيل ـ وقد حذفت الألف طلبا للفصاحة فصارت «خير» ويقال في التفضيل : هذا أغنى من ذاك. قال أحدهم : أتمدني بمال وأنا أغنى منك .. وقال آخر : أتمدني بمال فأنا أغني منك؟ في هذين القولين جملتان اسميتان صدرت الأولى بالواو والثانية بالفاء .. وإذا قيل بالواو فقد جعل المخاطب عالما بزيادة صاحبه عليه في الغنى واليسار وهو مع ذلك يمده بالمال. وإذا قيل بالفاء فقد جعل المخاطب ممن خفي أو خفيت عليه حال صاحبه فهو يخبره الساعة ـ أي الآن ـ بما لا يحتاج معه إلى إمداده كأنه يقول له : أنكر عليك ما فعل فإني غني عنه وعليه ورد القول الكريم المذكور آنفا على لسان سليمان وهو يخاطب رسول بلقيس ـ ملكة سبأ ـ يقال : أغنى الرجل صاحبه : أي جعله غنيا .. واغتنى الرجل واستغنى وتغنى وتغانى : بمعنى : صار غنيا : أي ضد افتقر .. ولهذه الأفعال معان أخرى أيضا .. فالفعل «استغنى» يعني أيضا : اكتفى. و«الفعل» أغنى» يعني أيضا : يجدي نحو : ما يغني عنك هذا : بمعنى : ما يجدي أي ما ينفع .. ومثله : ما أغنى شيئا : أي لم ينفع. قال ـ صلىاللهعليهوسلم ـ : «يا عائشة بنت أبي بكر ويا حفصة بنت عمر ويا فاطمة بنت محمد ويا صفية عمة محمد اشترين أنفسكم من النار فإني لا أغني عنكم شيئا».
![إعراب القرآن الكريم لغةً وإعجازاً وبلاغة تفسيراً بالإيجاز [ ج ٧ ] إعراب القرآن الكريم لغةً وإعجازاً وبلاغة تفسيراً بالإيجاز](/_next/image?url=https%3A%2F%2Flib.rafed.net%2FBooks%2F4041_irab-alquran-alkarim-07%2Fimages%2Fcover.jpg&w=640&q=75)
