وتعليقه بالسيئة على التهكم كقوله تعالى : (فَبَشِّرْهُ بِعَذابٍ أَلِيمٍ) [لقمان ، ٧] [يس ، ١١] [الجاثية ، ٨] (فَأُولئِكَ أَصْحابُ النَّارِ) أي : ملازموها في الآخرة كما أنهم ملازمو أسبابها في الدنيا (هُمْ فِيها خالِدُونَ) أي : دائمون روعي فيه معنى من والآية كما ترى لا حجة فيها على خلود صاحب الكبيرة لأنها في الكافر كما مرّ.
(وَالَّذِينَ آمَنُوا وَعَمِلُوا الصَّالِحاتِ أُولئِكَ أَصْحابُ الْجَنَّةِ هُمْ فِيها خالِدُونَ) جرت عادته سبحانه وتعالى على أن يشفع وعده بوعيده لترجي رحمته ويخشى عذابه.
تنبيه : عطف العمل على الإيمان يدل على خروجه عن مسماه.
(وَ) اذكر (إِذْ أَخَذْنا مِيثاقَ بَنِي إِسْرائِيلَ) في التوراة وقلنا لهم : (لا تَعْبُدُونَ إِلَّا اللهَ) هذا إخبار في معنى النهي كقوله تعالى : (وَلا يُضَارَّ كاتِبٌ وَلا شَهِيدٌ) [البقرة ، ٢٨٢] وهو أبلغ من صريح النهي لما فيه من إيهام أنّ المنهي سارع إلى الانتهاء فهو مخبر عنه ، وقرأ ابن كثير وحمزة والكسائيّ بالياء على الغيبة ، والباقون بالتاء على الخطاب. (وَبِالْوالِدَيْنِ إِحْساناً) أي : برّا بهما وعطفا عليهما ونزولا عند أمرهما فيما لا يخالف أمر الله تعالى. قال البيضاويّ : وهذا متعلق بمضمر تقديره : وتحسنون أو أحسنوا ، انتهى. ويلزمه أنّ إحسانا في الآية منصوب على المصدر المؤكد لعامله المحذوف مع أن حذف عامل المؤكد ممنوع أو نادر وقوله تعالى : (وَذِي الْقُرْبى) أي : القرابة (وَالْيَتامى وَالْمَساكِينِ) عطف على الوالدين ، ويتامى جمع يتيم وهو الطفل الذي لا أب له كنديم وندامى وهو قليل ، ومسكين مفعيل من السكون كأنّ الفقر أسكنه (وَقُولُوا لِلنَّاسِ حُسْناً) من الأمر بالمعروف والنهي عن المنكر والصدق في شأن محمد صلىاللهعليهوسلم والرفق بهم ، وقيل : هو اللين في القول والمعاشرة بحسن الخلق. وقرأ حمزة والكسائي بفتح الحاء والسين ، والباقون بضم الحاء وسكون السين مصدر وصف به مبالغة (وَأَقِيمُوا الصَّلاةَ وَآتُوا الزَّكاةَ ،) قال البيضاوي : يريد ـ أي : الله ـ بهما ما فرض عليهم في ملتهم (ثُمَّ تَوَلَّيْتُمْ) في هذا التفات عن الغيبة ، قال البيضاوي : ولعل الخطاب مع الموجودين منهم في عهد رسول الله صلىاللهعليهوسلم ومن قبلهم على التغليب أي : أعرضتم عن الميثاق ورفضتموه (إِلَّا قَلِيلاً مِنْكُمْ) أي : وهو من أقام اليهودية على وجهها قبل النسخ ومن أسلم منهم (وَأَنْتُمْ) قوم (مُعْرِضُونَ) أي : عادتكم الإعراض عن المواثيق والتولية كإعراض آبائكم.
(وَ) اذكروا (إِذْ أَخَذْنا مِيثاقَكُمْ) وقلنا (لا تَسْفِكُونَ دِماءَكُمْ) أي : تريقونها بقتل بعضكم بعضا (وَلا تُخْرِجُونَ أَنْفُسَكُمْ مِنْ دِيارِكُمْ) أي : لا يخرج بعضكم بعضا من داره وإنما جعل غير الرجل نفسه لاتصاله به نسبا أو دينا ، وقيل : لا تفعلوا ما يرديكم ويصرفكم عن الحياة الأبدية فإنه القتل في الحقيقة ولا تقترفوا ما تمنعون به عن الجنة التي هي داركم فإنه الجلاء الحقيقيّ (ثُمَّ أَقْرَرْتُمْ) بهذا العهد أنه حق وقبلتم (وَأَنْتُمْ تَشْهَدُونَ) على أنفسكم ، هذا توكيد كقولك أقر فلان شاهدا على نفسه ، وقيل : أنتم أيها الموجودون تشهدون على إقرار أسلافكم فيكون إسناد الإقرار إليهم مجازا.
(ثُمَّ أَنْتُمْ) يا (هؤُلاءِ تَقْتُلُونَ أَنْفُسَكُمْ) فيه استبعاد لما ارتكبوه بعد الميثاق والإقرار والشهادة عليه أي : ثم بعد ذلك يقتل بعضكم بعضا (وَتُخْرِجُونَ فَرِيقاً مِنْكُمْ مِنْ دِيارِهِمْ تَظاهَرُونَ) قرأ عاصم وحمزة والكسائي بتخفيف الظاء ، والباقون بتشديدها ، أي : تتعاونون (عَلَيْهِمْ بِالْإِثْمِ)
![تفسير الخطيب الشربيني [ ج ١ ] تفسير الخطيب الشربيني](/_next/image?url=https%3A%2F%2Flib.rafed.net%2FBooks%2F4027_tafsir-alkhatib-alshirbini-01%2Fimages%2Fcover.jpg&w=640&q=75)
