وكان على قدر عسكرهم وكان فرسخا في فرسخ فرفعه فوق رؤوسهم مقدار قامة رجل كالظلة وقال لهم : إن لم تقبلوا التوراة أرسلت هذا الجبل عليكم ، وقال عطاء عن ابن عباس : رفع الله فوق رؤوسهم الطور وبعث نارا من قبل وجوههم وأتاهم البحر الملح من خلفهم ، وقيل لهم : فإن قبلتم وإلا رضختكم بهذا الجبل أو أغرقتكم في هذا البحر أو أحرقتكم بهذه النار ، فلما رأوا أن لا مهرب لهم من ذلك قبلوا وسجدوا وجعلوا يلاحظون الجبل وهم سجود فصارت سنة في اليهود لا يسجدون إلا على أنصاف وجوههم ويقولون : بهذا السجود رفع العذاب عنا (خُذُوا) هو على إرادة القول أي : وقلنا خذوا (ما آتَيْناكُمْ) من الكتاب (بِقُوَّةٍ) بجدّ وعزيمة (وَاذْكُرُوا ما فِيهِ) بالعمل فيه أو تفكروا فيه فإنه تذكر بالقلب كما أنّ الدرس ذكره باللسان أو ادرسوه ولا تنسوه (لَعَلَّكُمْ تَتَّقُونَ) لكي تتقوا النار أو المعاصي.
(ثُمَّ تَوَلَّيْتُمْ) أعرضتم عن الوفاء بالميثاق (مِنْ بَعْدِ ذلِكَ) أي : بعد أخذه (فَلَوْ لا فَضْلُ اللهِ عَلَيْكُمْ وَرَحْمَتُهُ) أي : بتوفيقكم للتوبة أو بالإمهال وتأخير العذاب عنكم أو بإرسال محمد صلىاللهعليهوسلم يدعوكم إلى الحق ويهديكم إليه (لَكُنْتُمْ مِنَ الْخاسِرِينَ) أي : من المغبونين بالانهماك في المعاصي أو بالعقوبة وذهاب الدنيا والآخرة.
تنبيه : لو في الأصل لامتناع الشيء لامتناع غيره فإذا دخل على لا أفاد إثباتا أو هو امتناع الشيء لثبوت غيره والاسم الواقع بعده عند سيبويه مبتدأ خبره واجب الحذف لدلالة الكلام عليه وسد الجواب مسدّه وعند الكوفيين فاعل فعل محذوف.
(وَلَقَدْ عَلِمْتُمُ) اللام موطئة للقسم أي : عرفتم (الَّذِينَ اعْتَدَوْا) تجاوزوا الحدّ (مِنْكُمْ فِي السَّبْتِ) بصيد السمك وذلك أنهم كانوا زمن داود عليه الصلاة والسّلام بأرض يقال لها إيلة حرم الله تعالى عليهم صيد السمك يوم السبت فكان إذا دخل السبت لم يبق حوت في البحر إلا حضر هناك وأخرج خرطومه حتى لا يرى الماء من كثرتها فإذا مضى تفرّقت ولزمت قعر البحر فذلك قوله تعالى : (إِذْ تَأْتِيهِمْ حِيتانُهُمْ يَوْمَ سَبْتِهِمْ شُرَّعاً وَيَوْمَ لا يَسْبِتُونَ لا تَأْتِيهِمْ كَذلِكَ نَبْلُوهُمْ بِما كانُوا يَفْسُقُونَ) [الأعراف ، ١٦٣] ثم إنّ الشيطان وسوس إليهم وقال : إنما نهيتم عن أخذها يوم السبت فعمد رجال فحفروا الحياض حول البحر وشرعوا منه إليها الأنهار فإذا كان عشية الجمعة فتحوا تلك الأنهار فأقبل الموج بالحيتان إلى الحياض فلا تقدر على الخروج لبعد عمقها وقلة مائها فإذا كان يوم الأحد أخذوها فذلك الحبس في الحياض هو اعتداؤهم ففعلوا ذلك زمانا ولم تنزل عليهم عقوبة فتجرؤوا على الذنب وقالوا : ما نرى السبت إلا قد أحل لنا فأكلوا وملحوا وباعوا فلما فعلوا ذلك صار أهل القرية وكانوا نحوا من سبعين ألفا ثلاثة أصناف : صنف أمسك ونهى ، وصنف أمسك ولم ينه ، وصنف انتهك الحرمة ، وكان الناهون اثني عشر ألفا فلما أبى المجرمون قبول نصحهم قالوا : والله لا نساكنكم في قرية واحدة فقسموا القرية بجدار (فَقُلْنا لَهُمْ) لإصرارهم على المعصية (كُونُوا قِرَدَةً خاسِئِينَ) أي : مبعدين فخرج الناهون ذات يوم من بابهم ولم يخرج من المجرمين أحد ولم يفتحوا بابهم فلما أبطؤوا تسوروا على الحائط فإذا هم جميعا قردة لها أذناب يتعاوون ، قال قتادة : صار الشبان قردة والشيوخ خنازير فمكثوا ثلاثة أيام ثم هلكوا ولم يمكث ممسوخ فوق ثلاثة أيام ولم يتوالدوا ، وقال مجاهد : ما مسخت صورتهم ولكن قلوبهم فمثلوا بالقردة كما مثلوا بالحمار كما في قوله تعالى : (كَمَثَلِ الْحِمارِ يَحْمِلُ أَسْفاراً) [الجمعة ، ٥] رواه عنه ابن جرير وردّه وقال : إنه مخالف لظاهر القرآن والأحاديث والآثار
![تفسير الخطيب الشربيني [ ج ١ ] تفسير الخطيب الشربيني](/_next/image?url=https%3A%2F%2Flib.rafed.net%2FBooks%2F4027_tafsir-alkhatib-alshirbini-01%2Fimages%2Fcover.jpg&w=640&q=75)
