متعدّيا بمن فيكون بمعنى الخروج من مكان إلى آخر مساو له أو أعلى منه (مِصْراً) من الأمصار ، والمصر البلد العظيم لا العلم بفتح اللام ، وقيل : أراد به العلم وهي مصر موسى وفرعون ، قال البيضاويّ : ويؤيده ـ أي : القول ـ بأن المراد بمصر العلم أنه غير منوّن في مصحف ابن مسعود أي : وهي قراءة شاذة وإنما صرفه على هذا مع أنّ فيه العلمية والتأنيث لسكون وسطه كما في هند ودعد لمعادلة أحد سببي منع الصرف بخفة الاسم لسكون وسطه أو على تأويل مصر بالمكان فذكره فيبقى فيه سبب واحد فانصرف (فَإِنَّ لَكُمْ) فيه (ما سَأَلْتُمْ) من نبات الأرض (وَضُرِبَتْ عَلَيْهِمُ) أي : أحيطت إحاطة القبة بمن ضربت عليه أو ألصقت بهم من ضرب الطين على الحائط (الذِّلَّةُ) أي : الذل والهوان ، وقيل : الجزية ، (وَالْمَسْكَنَةُ) أي : الفقر وسمي الفقير مسكينا لأنّ الفقر أسكنه وأقعده عن الحركة وفعل بهم ذلك مجازاة لهم على كفران النعمة ولذلك تجد اليهود في غالب الأمر أذلاء مساكين إمّا على الحقيقة أو على التكلف مخافة أن تضاعف جزيتهم ، وقيل : الذلة فقر القلب فلا ترى في أهل الملل أذل وأحرص على المال من اليهود. وقرأ حمزة والكسائي : عليهم بضمّ الهاء والميم وصلا ، وفي الوقف حمزة على أصله ، والكسائي بكسرها ، وأبو عمرو بكسر الهاء والميم وقفا ووصلا ، وباقي القرّاء بكسر الهاء وضم الميم وصلا وفي الوقف بكسر الهاء وسكون الميم (وَباؤُ) رجعوا (بِغَضَبٍ مِنَ اللهِ) ولا يقال باء إلا بشر ، وأصل البوء المساواة ، وقال أبو عبيدة : احتملوه وأقروا به ومنه الدعاء : «أبوء بنعمتك وأبوء بذنبي» أي : أقرّ ، وقوله تعالى : (ذلِكَ) إشارة إلى ما مرّ من ضرب الذلة والمسكنة والبوء بالغضب (بِأَنَّهُمْ) أي : بسبب أنهم (كانُوا يَكْفُرُونَ بِآياتِ اللهِ) بصفة محمد صلىاللهعليهوسلم وآية الرجم في التوراة ويكفرون بالإنجيل والقرآن وبالمعجزات التي من جملتها ما عدّ عليهم من فلق البحر وإظلال الغمام وإنزال المنّ والسلوى وانفجار العيون من الحجر (وَيَقْتُلُونَ النَّبِيِّينَ بِغَيْرِ الْحَقِ) أي : ظلما فإنهم قتلوا شعياء وزكريا ويحيى وغيرهم. روي أن اليهود قتلوا سبعين نبيا في أوّل النهار وقامت سوق بقلهم آخر النهار.
فإن قيل : لم قال : (بِغَيْرِ الْحَقِ) وقتل النبيين لا يكون إلا بغير الحق؟ أجيب : بأنه ذكره وصفا للقتل والقتل يوصف تارة بالحق وتارة بغير الحق وهو مثل قوله تعالى : (قالَ رَبِّ احْكُمْ بِالْحَقِ) [الأنبياء ، ١١٢] ذكر الحق وصفا للحكم لا أنّ حكمه ينقسم إلى الجور والحق ، أو أنه بغير الحق عندهم إذ لم يروا منهم ما يعتقد به جواز قتلهم.
فإن قيل : إنّ الله تعالى قد أخبر بقتل الأنبياء ونصر الرسل فكيف الجمع؟ أجيب : بأن المحل مختلف إذ الرسول غير النبيّ وبأنّ المراد بالنصر الغلبة بإظهار الحجة لا العصمة من القتل وإنما حملهم على ذلك اتباع الهوى وحب الدنيا كما أشار إليه تعالى بقوله : (ذلِكَ بِما عَصَوْا وَكانُوا يَعْتَدُونَ) أي : جرهم العصيان والتمادي والاعتداء فيه إلى الكفر بالآيات وقتل النبيين ، فإنّ صغار الذنوب أسباب تؤدّي إلى ارتكاب كبارها كما أنّ صغار الطاعات أسباب مؤدية إلى تحرّي كبارها ، وكرر الإشارة للدّلالة على أنّ ما لحقهم كما هو بسبب الكفر والقتل فهو بسبب ارتكابهم المعاصي واعتدائهم حدود الله ، وقيل : الإشارة إلى الكفر والقتل والباء بمعنى مع وعلى هذا إنما جوّزت الإشارة بالمفرد إلى شيئين فصاعدا على تأويل ما ذكر والذي حسن ذلك أن تثنية المضمرات والمبهمات وجمعها وتأنيثها ليست على الحقيقة ولذلك جاء الذي بمعنى الجمع ، وقرأ النبيئين نافع بالهمزة ، والباقون بالياء ، وورش على أصله في الهمز بالمدّ والتوسط والقصر.
![تفسير الخطيب الشربيني [ ج ١ ] تفسير الخطيب الشربيني](/_next/image?url=https%3A%2F%2Flib.rafed.net%2FBooks%2F4027_tafsir-alkhatib-alshirbini-01%2Fimages%2Fcover.jpg&w=640&q=75)
