فيركب صاحبه كذلك وكان زادهم التمر المسوّس والشعير المتغير وكان النفر يخرجون ما معهم إلا التمرات اليسيرة بينهم فإذا بلغ الجوع من أحدهم أخذ التمرة فلاكها حتى يجد طعمها ثم يعطيها صاحبه فيمصها ثم يشرب عليها جرعة من ماء كذلك حتى تأتي على آخرهم ولا يبقى من التمرة إلا النواة فمضوا مع النبيّ صلىاللهعليهوسلم على صدقهم ويقينهم رضي الله عنهم وأرضاهم أجمعين ورضي عنا بهم آمين.
وقال عمر بن الخطاب رضي الله عنه : خرجنا مع رسول الله صلىاللهعليهوسلم إلى تبوك في قيظ شديد فنزلنا منزلا أصابنا فيه عطش شديد حتى ظننا أنّ رقابنا ستقطع حتى أن الرجل لينحر بعيره فيعصر فرثه ويشربه ويجعل ما بقي على كبده وحتى أن الرجل كان يذهب يلتمس الماء فلا يرجع حتى يظن أنّ رقبته ستقطع فقال أبو بكر : يا رسول الله إنّ الله تعالى قد عوّدك في الدعاء خيرا فادع الله تعالى قال : «أتحب ذلك؟» قال : نعم ، فرفع رسول الله صلىاللهعليهوسلم يديه فلم يرجعا حتى أظلت السماء ثم سكبت فملأنا ما معنا ثم ذهبنا ننظر فلم نجدها جاوزت العسكر (١). (مِنْ بَعْدِ ما كادَ يَزِيغُ) أي : قرب أن تميل (قُلُوبُ فَرِيقٍ مِنْهُمْ) أي : همّ بعضهم عند تلك العسرة العظيمة أن يفارق النبيّ صلىاللهعليهوسلم لكنه صبر واحتسب ولم يرد الميل عن الدين فلذلك قال الله تعالى : (ثُمَّ تابَ عَلَيْهِمْ) لما صبروا وثبتوا وندموا على ذلك الأمر العسير.
فإن قيل : قد ذكر الله تعالى التوبة أولا ثم ذكرها ثانيا فما فائدة التكرار؟ أجيب : بأنّ الله تعالى ذكر التوبة أوّلا قبل ذكر الذنب تفضلا منه وتطييبا لقلوبهم ثم ذكر الذنب بعد ذلك وأردفه بذكر التوبة مرّة أخرى تعظيما لشأنهم وليعلموا أنه تعالى قد قبل توبتهم وعفا عنهم. وقرأ حفص وحمزة : يزيغ ، بالياء على التذكير لأنّ تأنيث القلوب غير حقيقي ، والباقون بالتاء على التأنيث ، وأدغم أبو عمرو الدال من كاد في التاء بخلاف عنه (إِنَّهُ بِهِمْ رَؤُفٌ رَحِيمٌ) هاتان صفتان لله تعالى ومعناهما متقارب فالرأفة عبارة عن السعي في إزالة الضرّ والرحمة عبارة عن السعي في إيصال المنفعة ، وقيل : إحداهما للرحمة السابقة والآخرى للمستقبلة وقوله تعالى :
(وَعَلَى الثَّلاثَةِ الَّذِينَ خُلِّفُوا) أي : عن غزوة تبوك وهم كعب بن مالك وهلال بن أمية ومرارة ابن الربيع معطوف على الآية الأولى والتقدير لقد تاب الله على النبيّ والمهاجرين والأنصار الذين اتبعوه في ساعة العسرة وعلى الثلاثة الذين خلفوا ، وفائدة هذا العطف بيان قبول توبتهم ، وهذه الثلاثة كلهم من الأنصار وهم المذكورون في قوله تعالى : (وَآخَرُونَ مُرْجَوْنَ لِأَمْرِ اللهِ) [التوبة ، ١٠٦].
روي عن ابن شهاب الزهري قال : أخبرني عبد الرحمن بن عبد الله بن كعب بن مالك وكان قائد كعب من بنيه حين عمي قال : وكان أعلم قومه وأوعاهم لحديث رسول الله صلىاللهعليهوسلم قال : سمعت كعب بن مالك يحدث حديثه حين تخلف عن رسول الله صلىاللهعليهوسلم في غزوة تبوك قال كعب : كان من خبري حين تخلفت عن رسول الله صلىاللهعليهوسلم في غزوة تبوك أني لم أكن قط أقوى ولا أيسر حين تخلفت عنه في تلك الغزوة والله ما جمعت قبلها راحلتين قط حتى جمعتهما في تلك الغزوة ولم يكن رسول الله صلىاللهعليهوسلم يريد غزوة إلا ورّى بغيرها حتى كانت تلك الغزوة فأخبرهم بوجهه الذي يريد فتجهز رسول الله صلىاللهعليهوسلم والمسلمون معه فطفقت أغدو لكي أتجهز معهم فأرجع ولم أقض شيئا فلم يزل ذلك يتمادى
__________________
(١) أخرجه الحاكم في المستدرك ١ / ١٥٩.
![تفسير الخطيب الشربيني [ ج ١ ] تفسير الخطيب الشربيني](/_next/image?url=https%3A%2F%2Flib.rafed.net%2FBooks%2F4027_tafsir-alkhatib-alshirbini-01%2Fimages%2Fcover.jpg&w=640&q=75)
