فعليكموه» (١) ، وقيل : كانوا لا ينامون الليل على الجنابة ويتبعون الماء إثر البول ، وعن الحسن هو التطهر من الذنوب بالتوبة ، وقيل : يحبون أن يتطهروا بالحمى المكفرة لذنوبهم فحموا عن آخرهم.
(أَفَمَنْ أَسَّسَ بُنْيانَهُ) أي : بنيان دينه (عَلى تَقْوى مِنَ اللهِ وَرِضْوانٍ) أي : على قاعدة قوية محكمة وهي الحق الذي هو تقوى الله ورضوانه (خَيْرٌ أَمْ مَنْ أَسَّسَ بُنْيانَهُ عَلى شَفا) أي : طرف (جُرُفٍ) أي : جانب (هارٍ) أي : على قاعدة هي أضعف القواعد وأقلها بقاء وهو الباطل والنفاق الذي مثله مثل شفا جرف هار أي : مشرف على السقوط (فَانْهارَ بِهِ) أي : سقط مع بانيه (فِي نارِ جَهَنَّمَ) خير وهذا تمثيل للبناء على ضدّ التقوى بما يؤول إليه والاستفهام للتقرير أي : الأوّل خير وهو مثال مسجد قباء ، والثاني مثال مسجد الضرار قال الرازي : ولا نرى في العالم مثالا أحسن مطابقة لأمر المنافقين من هذا المثال وحاصل الكلام إنّ أحد البناءين قصد بانيه ببنائه تقوى الله تعالى ورضوانه والبناء الثاني قصد بانيه ببنائه المعصية والكفر فكان البناء الأوّل شريفا واجب الإبقاء وكان الثاني خسيسا واجب الهدم.
قيل : حفرت بقعة في مسجد الضرار فرؤي الدخان يخرج منها ، وقرأ نافع وابن عامر : أفمن أسس بضم الهمزة وكسر السين الأولى مع التشديد وضم النون قبل الهاء ، والباقون بفتح الهمزة والسين مع التشديد أيضا ونصب النون قبل الهاء ، وقرأ شعبة : رضوان بضم الراء ، والباقون بالكسر. ورسمت أم هنا مقطوعة من من والكلام على أسس بنيانه كالكلام على التي قبلها ، وقرأ ابن عامر وشعبة وحمزة جرف بسكون الراء والباقون بالرفع ، وأما شفا فلا تمال بخلاف هار فإن أبا عمرو وشعبة والكسائيّ يقرؤونه بالإمالة المحضة ، وابن ذكوان بالفتح والإمالة ، وورش بالإمالة بين بين ، والباقون بالفتح (وَاللهُ لا يَهْدِي الْقَوْمَ الظَّالِمِينَ) أي : إلى ما فيه صلاح ونجاة.
(لا يَزالُ بُنْيانُهُمُ الَّذِي بَنَوْا) أي : بناؤهم الذي بنوه وهو مصدر كالغفران والمراد هنا المبنى وإطلاق لفظ المصدر على المفعول مجاز مشهور يقال : ضرب الأمير ونسج زيد والمراد مضروبه ومنسوجه وليس بجمع خلافا للواحدي في تجويزه أن يكون جمع بنيانه لأنه وصف بالمفرد وأخبر عنه بقوله : (رِيبَةً) أي : شكا (فِي قُلُوبِهِمْ) والمعنى : إنّ بناء ذلك البنيان صار سببا لحصول الريبة في قلوبهم فجعل نفس ذلك البنيان ريبة وإنما جعل سببا للريبة لأنّ المنافقين فرحوا ببناء مسجد الضرار فلما أمر رسول الله صلىاللهعليهوسلم بتخريبه عظم خوفهم في كل الأوقات وصاروا مرتابين في أنهم هل يتركهم على ما هم فيه أو يأمر بقتلهم ونهب أموالهم ، وقال الكلبي : صار حسرة وندامة لأنهم ندموا على بنائه ، وقال السدي : لا يزال هدم بنائهم ريبة أي : حرارة وغيظا في قلوبهم (إِلَّا أَنْ تَقَطَّعَ قُلُوبُهُمْ) قطعا إمّا بالسيف وإمّا بالموت بحيث لا يبقى لهم قابلية الإدراك وقيل : التقطع بالتوبة ندما وأسفا (وَاللهُ عَلِيمٌ) بأحوالهم وأحوال عباده (حَكِيمٌ) في الأحوال التي يحكم بها عليهم وعلى غيرهم.
ولما تقدّم الإنكار على المتثاقلين عن النفر في سبيل الله في قوله تعالى : (ما لَكُمْ إِذا قِيلَ لَكُمُ انْفِرُوا فِي سَبِيلِ اللهِ) الآية ، ثم الحزم بالجهاد بالنفس والمال في قوله تعالى : (انْفِرُوا خِفافاً وَثِقالاً) الآية ذكر فضيلة الجهاد وحقيقته بقوله تعالى : (إِنَّ اللهَ اشْتَرى) أي : بعهود أكيدة ومواثيق
__________________
(١) أخرجه ابن ماجه حديث ٣٥٥ ، والبيهقي في السنن الكبرى ١ / ١٠٥ ، والدارقطني في سننه ١ / ٦٢ ، والسيوطي في الدر المنثور ٣ / ٢٧٨.
![تفسير الخطيب الشربيني [ ج ١ ] تفسير الخطيب الشربيني](/_next/image?url=https%3A%2F%2Flib.rafed.net%2FBooks%2F4027_tafsir-alkhatib-alshirbini-01%2Fimages%2Fcover.jpg&w=640&q=75)
