يتصادقون فكل من الكتابين يصدق الآخر وهو يصدقهما لم يتخالفوا في شيء بل هو متخلق بجميع ما أتى به (وَهُدىً وَمَوْعِظَةً لِلْمُتَّقِينَ) أي : كل ما فيه يهتدون به ويتعظون فترق قلوبهم ويعتبرون به.
(وَلْيَحْكُمْ أَهْلُ الْإِنْجِيلِ) وهم أتباع عيسى عليه الصلاة والسّلام (بِما أَنْزَلَ اللهُ فِيهِ) أي : من الأحكام ، وقرأ حمزة بكسر اللام ونصب الميم عطفا على معمول آتيناه والباقون بكسر اللام وسكون الميم على الأمر أي : فلينته أهل التوراة عما نسخ منها وليحكم أهل الإنجيل إلخ .. (وَمَنْ لَمْ يَحْكُمْ بِما أَنْزَلَ اللهُ فَأُولئِكَ هُمُ الْفاسِقُونَ) أي : المختصّون بكمال الفسق فإن كان تديّنا كان كفرا وإن كان لاتّباع الشهوات كان مجرد معصية لأنّ الحظوظ والشهوات تحمل على الخروج من دائرة الشّرع مرّة بعد أخرى.
(وَأَنْزَلْنا إِلَيْكَ) يا محمد خاصة (الْكِتابَ) أي : الكامل في جمعه لكل ما يطلب منه وهو القرآن وقوله تعالى : (بِالْحَقِ) متعلق بأنزلنا (مُصَدِّقاً لِما بَيْنَ يَدَيْهِ) أي : قبله.
ولما كانت الكتب السماوية من شدّة تصادقها كالشيء الواحد عبّر تعالى بالمفرد فقال : (مِنَ الْكِتابِ) أي : الكتب المنزّلة التي جاء بها الأنبياء من قبل ، فاللام الأولى في الكتاب للعهد ؛ لأنه عنى به القرآن والثانية للجنس لأنه عنى به جنس الكتب المنزلة (وَمُهَيْمِناً عَلَيْهِ) أي : رقيبا على سائر الكتب أي : يحفظها من التغيير والتبديل ويشهد لها بالصحة والثبات (فَاحْكُمْ بَيْنَهُمْ) أي : بين جميع أهل الكتاب إذا ترافعوا إليك (بِما أَنْزَلَ اللهُ) إليك في هذا الكتاب الناسخ لكتبهم المهيمن عليها في إثبات ما أسقطوه منها من أمرهم باتباعك ونحو ذلك من أوصافك (وَلا تَتَّبِعْ أَهْواءَهُمْ) فيما خالفه عادلا (عَمَّا جاءَكَ مِنَ الْحَقِ) بالانحراف عنه إلى ما يشتهونه.
(لِكُلٍّ جَعَلْنا مِنْكُمْ) أيّها الأمم (شِرْعَةً) أي : دينا موصلا إلى الحياة الأبدية والشرعة هي الطريقة إلى الماء ، شبّه بها الدّين لأنها موصلة إلى الماء الذي به الحياة الدنيوية (وَمِنْهاجاً) أي : طريقا واضحا في الدين ناسخا لما قبله ، وقد جعلنا شرعتك ناسخة لجميع الشرائع وأمثاله مما يدل على أنا لسنا متعبدين بالشرائع المتقدّمة وأنّ كل رسول غير متعبد بشرع من قبله وهو محمول على الفروع وما دلّ على الاجتماع كآية (شرع لكم من الدين) محمول على الأصول.
(وَلَوْ شاءَ اللهُ لَجَعَلَكُمْ أُمَّةً) أي : جماعة (واحِدَةً) أي : متفقة على دين واحد في جميع الأعصار من غير نسخ وتحويل (وَلكِنْ) لم يشأ ذلك بل شاء أن تكونوا على شرائع مختلفة (لِيَبْلُوَكُمْ) أي : ليختبركم (فِي ما آتاكُمْ) من الشرائع المختلفة ليبرز إلى الوجود المطيع منكم والعاصي (فَاسْتَبِقُوا الْخَيْراتِ) أي : ابتدروها انتهازا للفرصة بغاية الجهد فقل من يسابق شخصا يخشى العار بسبقه ، وقوله تعالى : (إِلَى اللهِ مَرْجِعُكُمْ جَمِيعاً) أي : بالبعث استئناف فيه تعليل للأمر بالاستباق ، ووعد للمبادرين ووعيد للمقصرين (فَيُنَبِّئُكُمْ) أي : يخبركم (بِما كُنْتُمْ فِيهِ تَخْتَلِفُونَ) أي : من أمر الدين ويجزي كلا منكم بعمله.
وقوله تعالى : (وَأَنِ احْكُمْ بَيْنَهُمْ بِما أَنْزَلَ اللهُ) عطف على الكتاب أي : أنزلنا إليك الكتاب والحكم أو على الحق أي : أنزلناه بالحق وبأن احكم ، وقرأ أبو عمرو وعاصم وحمزة بكسر نون وأن احكم والباقون بضمها (وَلا تَتَّبِعْ أَهْواءَهُمْ وَاحْذَرْهُمْ أَنْ) أي : لئلا يفتنوك أي : يضلوك ويصرفوك (عَنْ بَعْضِ ما أَنْزَلَ اللهُ إِلَيْكَ.)
روي أنّ أحبار اليهود قالوا : اذهبوا بنا إلى محمد لعلّنا نفتنه عن دينه فقالوا : يا محمد قد
![تفسير الخطيب الشربيني [ ج ١ ] تفسير الخطيب الشربيني](/_next/image?url=https%3A%2F%2Flib.rafed.net%2FBooks%2F4027_tafsir-alkhatib-alshirbini-01%2Fimages%2Fcover.jpg&w=640&q=75)
