نزلت في قطاع الطريق بقوله تعالى : (إِلَّا الَّذِينَ تابُوا) أي : رجعوا عما كانوا عليه من المحاربة خوفا من الله تعالى (مِنْ قَبْلِ أَنْ تَقْدِرُوا عَلَيْهِمْ) أي : فإنّ حقوقه تعالى تسقط عنهم كالقطع والصلب وتحتم القتل ويبقى القصاص والمال لأنه حق آدمي لا يسقط بالتوبة (فَاعْلَمُوا أَنَّ اللهَ غَفُورٌ) لهم ما أتوه (رَحِيمٌ) بهم ، ولو كانت نزلت في الكفار لكانت توبتهم بالإسلام وهو رافع للعقوبة قبل القدرة وبعدها.
(يا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا اتَّقُوا اللهَ) أي : خافوا عقابه بأن تطيعوه (وَابْتَغُوا إِلَيْهِ الْوَسِيلَةَ) أي : اطلبوا ما تتوسلون به إلى ثوابه ، والزلفى منه من فعل الطاعات وترك المعاصي من وسل إلى كذا إذا تقرّب إليه قال لبيد (١) :
|
أرى الناس لا يدرون ما قدر أمرهم |
|
ألا كلّ ذي لب إلى الله واسل |
وفي الحديث «الوسيلة منزلة في الجنة (٢)» (وَجاهِدُوا فِي سَبِيلِهِ) بمحاربه أعدائه لتكون كلمة الله هي العليا (لَعَلَّكُمْ تُفْلِحُونَ) بالوصول إلى الله عزوجل والفوز بكرامته.
(إِنَّ الَّذِينَ كَفَرُوا لَوْ) ثبت (أَنَّ لَهُمْ ما فِي الْأَرْضِ) من صنوف الأموال وأكده بقوله : (جَمِيعاً وَمِثْلَهُ مَعَهُ لِيَفْتَدُوا بِهِ) أي : ليجعلوه فدية لأنفسهم (مِنْ عَذابِ يَوْمِ الْقِيامَةِ ما تُقُبِّلَ مِنْهُمْ) أي : لأنّ المدفوع إليه ذلك تامّ القدرة وله الغنى المطلق (وَلَهُمْ) بعد ذلك (عَذابٌ أَلِيمٌ) أي : مؤلم.
(يُرِيدُونَ أَنْ يَخْرُجُوا مِنَ النَّارِ وَما هُمْ بِخارِجِينَ مِنْها وَلَهُمْ عَذابٌ مُقِيمٌ (٣٧) وَالسَّارِقُ وَالسَّارِقَةُ فَاقْطَعُوا أَيْدِيَهُما جَزاءً بِما كَسَبا نَكالاً مِنَ اللهِ وَاللهُ عَزِيزٌ حَكِيمٌ (٣٨) فَمَنْ تابَ مِنْ بَعْدِ ظُلْمِهِ وَأَصْلَحَ فَإِنَّ اللهَ يَتُوبُ عَلَيْهِ إِنَّ اللهَ غَفُورٌ رَحِيمٌ (٣٩) أَلَمْ تَعْلَمْ أَنَّ اللهَ لَهُ مُلْكُ السَّماواتِ وَالْأَرْضِ يُعَذِّبُ مَنْ يَشاءُ وَيَغْفِرُ لِمَنْ يَشاءُ وَاللهُ عَلى كُلِّ شَيْءٍ قَدِيرٌ (٤٠) يا أَيُّهَا الرَّسُولُ لا يَحْزُنْكَ الَّذِينَ يُسارِعُونَ فِي الْكُفْرِ مِنَ الَّذِينَ قالُوا آمَنَّا بِأَفْواهِهِمْ وَلَمْ تُؤْمِنْ قُلُوبُهُمْ وَمِنَ الَّذِينَ هادُوا سَمَّاعُونَ لِلْكَذِبِ سَمَّاعُونَ لِقَوْمٍ آخَرِينَ لَمْ يَأْتُوكَ يُحَرِّفُونَ الْكَلِمَ مِنْ بَعْدِ مَواضِعِهِ يَقُولُونَ إِنْ أُوتِيتُمْ هذا فَخُذُوهُ وَإِنْ لَمْ تُؤْتَوْهُ فَاحْذَرُوا وَمَنْ يُرِدِ اللهُ فِتْنَتَهُ فَلَنْ تَمْلِكَ لَهُ مِنَ اللهِ شَيْئاً أُولئِكَ الَّذِينَ لَمْ يُرِدِ اللهُ أَنْ يُطَهِّرَ قُلُوبَهُمْ لَهُمْ فِي الدُّنْيا خِزْيٌ وَلَهُمْ فِي الْآخِرَةِ عَذابٌ عَظِيمٌ (٤١) سَمَّاعُونَ لِلْكَذِبِ أَكَّالُونَ لِلسُّحْتِ فَإِنْ جاؤُكَ فَاحْكُمْ بَيْنَهُمْ أَوْ أَعْرِضْ عَنْهُمْ وَإِنْ تُعْرِضْ عَنْهُمْ فَلَنْ يَضُرُّوكَ شَيْئاً وَإِنْ حَكَمْتَ فَاحْكُمْ بَيْنَهُمْ بِالْقِسْطِ إِنَّ اللهَ يُحِبُّ الْمُقْسِطِينَ (٤٢) وَكَيْفَ يُحَكِّمُونَكَ وَعِنْدَهُمُ التَّوْراةُ فِيها حُكْمُ اللهِ ثُمَّ يَتَوَلَّوْنَ مِنْ بَعْدِ ذلِكَ وَما أُولئِكَ بِالْمُؤْمِنِينَ (٤٣) إِنَّا أَنْزَلْنَا التَّوْراةَ فِيها هُدىً وَنُورٌ يَحْكُمُ بِهَا النَّبِيُّونَ الَّذِينَ أَسْلَمُوا لِلَّذِينَ هادُوا وَالرَّبَّانِيُّونَ وَالْأَحْبارُ بِمَا اسْتُحْفِظُوا مِنْ كِتابِ اللهِ وَكانُوا عَلَيْهِ شُهَداءَ فَلا تَخْشَوُا النَّاسَ وَاخْشَوْنِ وَلا تَشْتَرُوا بِآياتِي ثَمَناً قَلِيلاً وَمَنْ لَمْ يَحْكُمْ بِما أَنْزَلَ اللهُ فَأُولئِكَ هُمُ الْكافِرُونَ (٤٤) وَكَتَبْنا عَلَيْهِمْ
__________________
(١) البيت من الطويل ، وهو في ديوان لبيد ص ٢٥٦ ، ولسان العرب (وسل) ، وتهذيب اللغة ١٣ / ٦٧ ، ومقاييس اللغة ٦ / ١١٠ ، وأساس البلاغة (وسل) ، ومجمل اللغة ٤ / ٥٢٥ ، وتاج العروس (وسل).
(٢) أخرجه مسلم في الصلاة حديث ٣٨٤ ، والترمذي في المناقب حديث ٣٦١٤ ، والنسائي في الأذان حديث ٦٧٨.
![تفسير الخطيب الشربيني [ ج ١ ] تفسير الخطيب الشربيني](/_next/image?url=https%3A%2F%2Flib.rafed.net%2FBooks%2F4027_tafsir-alkhatib-alshirbini-01%2Fimages%2Fcover.jpg&w=640&q=75)
