بين ذلك في بني إسرائيل أمور وأحداث فبعث الله إلى عزير ملكا فخلق قلبه ليعقل به وعينيه لينظر بهما فيعقل كيف يحيي الله الموتى ، ثم ركّب خلقه وهو ينظر ثم كسا عظامه اللحم والشعر والجلد ، ثم نفخ فيه الروح ، كل ذلك يرى ويعقل فاستوى جالسا فقال له الملك : كم لبثت؟ (قالَ لَبِثْتُ يَوْماً) وذلك أنّ الله تعالى أماته ضحى في أول النهار وأحياه بعد مائة عام في آخر النهار قبل غيبوبة الشمس فقال : لبثت يوما وهو يرى أنّ الشمس قد غربت ثم التفت فرأى بقية من الشمس فقال : (أَوْ بَعْضَ يَوْمٍ) أي : بل بعض يوم (قالَ) أي : الله أو الملك له (بَلْ لَبِثْتَ مِائَةَ عامٍ) قرأ نافع وابن كثير وعاصم بإظهار الثاء المثلثة في كم لبثت ، وفي قال : لبثت وفي بل لبثت ، والباقون بالإدغام.
ثم قال له الله أو الملك (فَانْظُرْ إِلى طَعامِكَ) وكان تينا أو عنبا (وَشَرابِكَ) وكان عصيرا أو لبنا (لَمْ يَتَسَنَّهْ) أي : لم يتغير بمرور الزمان فكان التين أو العنب كأنه قد قطف من ساعته والعصير كأنه قد عصر أو اللبن قد حلب من ساعته قال الكسائيّ أي : كأنه لم يأت عليه السنون ، وإنما أفرد الضمير لأنّ الطعام والشراب كالجنس الواحد.
فإن قيل : إذا كان المارّ كافرا فكيف يسوغ أن يكلمه الله؟ أجاب الزمخشريّ بأنّ الكلام كان بعد البعث ولم يك إذ ذاك كافرا وقال أبو حيان : لا نص في الآية ، إنّ الله كلمه شفاها ، وقرأ حمزة والكسائيّ لم يتسنّ بإسقاط الهاء إذا وصلها بما بعدها ، والباقون بإثباتها وفي الوقت ثابتة للجميع.
(وَانْظُرْ إِلى حِمارِكَ) كيف هو فرآه ميتا وعظامه بيض وكان له حمار قد ربطه ، وقيل : رآه حيا مكانه كما ربطه حفظ بلا ماء ولا علف ، كما حفظ الطعام والشراب من التغير.
وقوله تعالى : (وَلِنَجْعَلَكَ آيَةً لِلنَّاسِ) معطوف على محذوف تقديره فعلنا ذلك لتعلم ولنجعلك آية وقيل : الواو زائدة مقحمة أي : لنجعلك عبرة ودلالة على البعث بعد الموت (وَانْظُرْ إِلَى الْعِظامِ كَيْفَ نُنْشِزُها) قرأ نافع وابن كثير وأبو عمرو بالراء ومعناه نحييها ، والباقون بالزاي ومعناه نرفعها من الأرض ونردّها إلى أماكنها من الجسد.
وفي الآية تقديم وتأخير وتقديرها : وانظر إلى حمارك وانظر إلى العظام كيف ننشرها ولنجعلك آية للناس ، واختلفوا في معنى الآية فقال الأكثرون : إنه أراد به عظام حماره وهذا يؤيد كون حماره كان ميتا قال السديّ : إن الله أحيا عزيرا ثم قال له : انظر إلى حمارك قد هلك وبليت عظامه ، فبعث الله ريحا فجاءت بعظام الحمار من كل سهل وجبل ، الذي ذهبت به الطيور والسباع ، فاجتمعت فركب بعضها في بعض ، وهو ينظر فصار حمارا من عظام ليس فيه لحم ولا دم ثم كسا العظام لحما ودما كما قال تعالى : (ثُمَّ نَكْسُوها لَحْماً) فصار حمارا لا روح فيه ثم أقبل ملك يمشي حتى أخذ بمنخر الحمار فنفخ فيه فقام الحمار ونهق بإذن الله تعالى ، وقال الأقلّون : أراد به عظام هذا الرجل فأحيا الله عينيه ورأسه وسائر جسده ميت ثم قال : انظر إلى حمارك فنظر فرأى حماره قائما واقفا كهيئته يوم ربطه ، وهذا يؤيد كون حماره كان حيا وذلك من أعظم الآيات أن يعيش مائة عام من غير علف ولا ماء قال الضحاك وقتادة : وتقدير أي على هذا وانظر إلى حمارك وانظر إلى عظامك كيف ننشرها.
روي أن عزيرا لما أحياه الله تعالى ركب حماره حتى أتى محلته ، فأنكره الناس وأنكر الناس ومنازله ، فانطلق على وهم حتى أتى منزله فإذا هو بعجوز عمياء مقعدة أتى عليها مائة وعشرون سنة
![تفسير الخطيب الشربيني [ ج ١ ] تفسير الخطيب الشربيني](/_next/image?url=https%3A%2F%2Flib.rafed.net%2FBooks%2F4027_tafsir-alkhatib-alshirbini-01%2Fimages%2Fcover.jpg&w=640&q=75)
