بالآيات البينات أنّ الإيمان رشد يوصل إلى السعادة الأبدية ، وأنّ الكفر غيّ يؤدّي إلى الشقاوة السرمدية ، والعاقل متى تبين له ذلك بادرت نفسه إلى الإيمان ، طلبا للفوز بالسعادة والنجاة ، فلم يحتج إلى الإكراه والإلجاء (فَمَنْ يَكْفُرْ بِالطَّاغُوتِ) أي : فمن اختار الكفر بالشيطان أو الأصنام (وَيُؤْمِنْ بِاللهِ) أي : بالتوحيد وتصديق الرسل (فَقَدِ اسْتَمْسَكَ بِالْعُرْوَةِ الْوُثْقى) أي : تمسك واعتصم بالعقد الوثيق المحكم في الدين (لَا انْفِصامَ) أي : لا انقطاع (لَها.)
قال التفتازاني : شبه التديّن بالدين الحق ، والثبات على الهدى والإيمان بالتمسك بالعروة الوثقى المأخوذة من الحبل المحكم المأمون تقطعها ، ثم ذكر المشبه به وأراد المشبه وقال الزمخشريّ : وهذا تمثيل للمعلوم بالنظر والاستدلال بالمشاهد المحسوس ، حتى يتصوّره السامع كأنه ينظر إليه بعينه فيحكم اعتقاده والتيقن به اه.
والوثقى تأنيث الأوثق ، وقيل : العروة الوثقى السبب الذي يتوصل به إلى رضا الله تعالى (وَاللهُ سَمِيعٌ) لما يقال : (عَلِيمٌ) بالنيات والأفعال وقيل : سميع لدعائك إياهم إلى الإسلام عليم بحرصك على إيمانهم.
(اللهُ وَلِيُ) أي : ناصر ومعين (الَّذِينَ آمَنُوا) أي : أرادوا أن يؤمنوا لقوله تعالى : (يُخْرِجُهُمْ) أي : بلطفه وتأييده (مِنَ الظُّلُماتِ) أي : الكفر (إِلَى النُّورِ) أي : الإيمان أو أنهم الثابتون على الإيمان بأن يخرجهم من الشبهة في الدين إن وقعت ، لهم بما يهديهم ويوفقهم له من أجلها ، حتى يخرجوا منها إلى نور اليقين. وعن ابن عباس : أنهم قوم كانوا كفروا بعيسى وآمنوا بمحمد صلىاللهعليهوسلم.
(وَالَّذِينَ كَفَرُوا أَوْلِياؤُهُمُ الطَّاغُوتُ) أي : الشيطان وقال مقاتل : هو كعب بن الأشرف وحييّ بن أخطب وسائر رؤوس الضلالة (يُخْرِجُونَهُمْ) أي : يدعونهم (مِنَ النُّورِ) الذي منحوه بالفطرة (إِلَى الظُّلُماتِ) أي : الكفر.
فإن قيل : كيف يخرجونهم من النور وهم كفار لم يكونوا في نور قط ، أجيب : بأنّ الطبرانيّ (١) روى عن ابن عباس أنها نزلت في قوم آمنوا بعيسى ، فلما بعث محمد صلىاللهعليهوسلم كفروا به» ، أو أنه تعالى ذكر الإخراج في مقابلة يخرجهم من الظلمات ، فهو على العموم في حق جميع الكفار كما يقول الرجل لأبيه : أخرجتني من مالك ولم يكن فيه ، كما قال تعالى إخبارا عن يوسف عليه الصلاة والسّلام : (إِنِّي تَرَكْتُ مِلَّةَ قَوْمٍ لا يُؤْمِنُونَ بِاللهِ) [يوسف ، ٣٧] ولم يكن قط في ملتهم وقيل : نزلت في قوم ارتدّوا عن الإسلام ، وإسناد الإخراج إلى الطاغوت باعتبار السبب لا يأبى تعلق قدرته تعالى وإرادته به ، والطاغوت يكون مذكرا ومؤنثا وواحدا وجمعا ، قال تعالى في المذكر : والواحد (يُرِيدُونَ أَنْ يَتَحاكَمُوا إِلَى الطَّاغُوتِ وَقَدْ أُمِرُوا أَنْ يَكْفُرُوا بِهِ ،) [النساء ، ٦٠] وقال تعالى في المؤنث (وَالَّذِينَ اجْتَنَبُوا الطَّاغُوتَ أَنْ يَعْبُدُوها) [الزمر ، ١٧] وقال في الجمع : (يُخْرِجُونَهُمْ مِنَ النُّورِ إِلَى الظُّلُماتِ.)
وقوله تعالى : (أُولئِكَ أَصْحابُ النَّارِ هُمْ فِيها خالِدُونَ) وعيد وتحذير. قال البيضاويّ : ولعلّ عدم مقابلته بوعد المؤمنين تعظيم لشأنهم.
__________________
(١) انظر الطبراني في المعجم الكبير ١١ / ٨٢.
![تفسير الخطيب الشربيني [ ج ١ ] تفسير الخطيب الشربيني](/_next/image?url=https%3A%2F%2Flib.rafed.net%2FBooks%2F4027_tafsir-alkhatib-alshirbini-01%2Fimages%2Fcover.jpg&w=640&q=75)
