(أَحَقُ) أي : أولى (بِالْمُلْكِ مِنْهُ) وإنما قالوا ذلك لأنه كان من بني إسرائيل سبطان سبط نبوّة ، وسبط مملكة ، فكان سبط النبوّة سبط لاوي بن يعقوب ، ومنه كان موسى وهارون عليهما الصلاة والسّلام ، وسبط المملكة سبط يهوذا بن يعقوب ، ومنه كان داود وسليمان عليهما الصلاة والسّلام ، ولم يكن طالوت من أحدهما ، إنما كان من سبط بنيامين بن يعقوب ، وكانوا عملوا ذنبا عظيما كانوا ينكحون النساء على ظهر الطريق جهارا ، فغضب الله عليهم ونزع الملك والنبوّة منهم ، وكانوا يسمون سبط الإثم ، فلما قال لهم نبيهم ذلك أنكروا ؛ لأنه لم يكن من سبط المملكة ، ومع ذلك قالوا : هو دباغ (وَلَمْ) أي : والحال أنه لم (يُؤْتَ سَعَةً مِنَ الْمالِ) يستعين بها على إقامة الملك ولما استبعدوا تملكه لفقره وسقوط نسبه ، ردّ عليهم ذلك بأمور حكاها الله تعالى عن نبيهم بقوله تعالى : (قالَ) أي : نبيهم (إِنَّ اللهَ اصْطَفاهُ) أي : اختاره للملك (عَلَيْكُمْ) والعهدة في التملك اصطفاء الله تعالى وقد اختاره عليكم ، وهو أعلم بالمصالح منكم هذا الأمر الأوّل ، والثاني قوله : (وَزادَهُ) عليكم (بَسْطَةً) أي : سعة (فِي الْعِلْمِ) الذي يحصل به نظام المملكة ويتمكن به من معرفة الأمور السياسية (وَ) في (الْجِسْمِ) الذي به يتمكن من الظفر بمن بارزه من الشجعان وقصده من سائر الأقران ، ويكون أعظم خطرا في القلوب وأقوى على مقاومة العدوّ ، ومكابدة الحروب ، لا ما ذكرتم وقد زاده الله في العلم ، فكان أعلم بني إسرائيل يومئذ ، والجسم فكان أجملهم وأتمهم خلقا ، كان الرجل القائم يمدّ يده فيتناول رأس طالوت.
والثالث قوله : (وَاللهُ يُؤْتِي مُلْكَهُ) أي : الذي هو له وليس لغيره فيه شيء (مَنْ يَشاءُ) فإنه تعالى مالك الملك على الإطلاق ، فله أن يؤتيه من يشاء سواء كان غنيا أم فقيرا ، كما آتاكموه بعد أن كنتم مستعبدين عند آل فرعون والرابع قوله : (وَاللهُ واسِعٌ) أي : واسع الفضل يوسع على الفقير ، ويغنيه (عَلِيمٌ) بمن يليق بالملك من النسيب وغيره.
(وَقالَ لَهُمْ نَبِيُّهُمْ) لما أذعنوا لذلك وطلبوا منه آية تدلّ على أنه سبحانه وتعالى اصطفى طالوت وملكه عليهم (إِنَّ آيَةَ) أي : علامة (مُلْكِهِ أَنْ يَأْتِيَكُمُ التَّابُوتُ) أي : الصندوق وكان فيه صور الأنبياء عليهم الصلاة والسّلام ، أنزله الله تعالى على آدم صلىاللهعليهوسلم وكان من عود الشّمشار ـ بمعجمتين أولاهما مكسورة وبينهما ميم ساكنة ـ خشب تعمل منه الأمشاط ، مموّها بالذهب نحوا من ثلاثة أذرع في ذراعين ، فكان عند آدم إلى أن مات ثم عند شيث ثم توارثه أولاد آدم إلى أن بلغ إبراهيم ، ثم كان عند إسماعيل ؛ لأنه كان أكبر ولده ثم عند يعقوب ، ثم كان في بني إسرائيل إلى أن وصل إلى موسى ، ثم تداوله أنبياء بني إسرائيل ، ثم استمرّ عند بني إسرائيل ، وكانوا إذا اختلفوا في شيء تكلم أو حكم بينهم ، وإذا حضروا القتال قدّموه بين أيديهم فيستفتحون به على عدوّهم كما قال تعالى : (فِيهِ سَكِينَةٌ) أي : طمأنينة لقلوبكم (مِنْ رَبِّكُمْ) ففي أي مكان كان التابوت اطمأنوا إليه وسكنوا قاله قتادة والكلبي : لما عصوا وفسدوا سلط الله عليهم العمالقة أصحاب جالوت ، فغلبوهم على التابوت وأخذوه.
وقال علي : هو صورة لها رأسان ووجه كوجه الإنسان ، وقال مجاهد : هي شيء يشبه الهرة له رأس كرأس الهرّة وذنب كذنب الهرّة وله جناحان ، وقيل : له عينان لهما شعاع وجناحان من زمرد وزبرجد ، وقال ابن عباس رضي الله تعالى عنهما : هي طشت من ذهب من الجنة ، كان يغسل فيه قلوب الأنبياء ، وقال وهب : هي روح من الله تتكلم إذا اختلفوا في شيء تخبرهم ببيان ما يريدون.
ولما كان الكليم وأخوه عليهما الصلاة والسّلام أعظم أنبيائهم قال : (وَ) فيه (بَقِيَّةٌ مِمَّا تَرَكَ
![تفسير الخطيب الشربيني [ ج ١ ] تفسير الخطيب الشربيني](/_next/image?url=https%3A%2F%2Flib.rafed.net%2FBooks%2F4027_tafsir-alkhatib-alshirbini-01%2Fimages%2Fcover.jpg&w=640&q=75)
