فكأنه قيل : وما أنزل في الأرض من ماء وبث فيها من كل دابة ، ويجوز عطفه على أحياء على معنى ، فأحيا بالمطر الأرض وبث فيها من كل دابة ؛ لأن الدواب ينمون بالخصب ويعيشون بالحيا أي : المطر (وَتَصْرِيفِ الرِّياحِ) إلى قبول ودبور ، وجنوب وشمال ، فالقبول : الصبا وهي التي تهب من مطلع الشمس إذا استوى الليل والنهار ، والدبور : تقابلها ، والشمال : التي تهب من جانب القطب ، والجنوب : تقابلها. قال ابن عباس : أعظم جنود الله الريح والماء ، وسميت الريح ريحا ؛ لأنها تريح النفوس. قال شريح القاضي : ما هبت ريح إلا لشفاء سقيم أو لسقم صحيح.
فائدة : البشارة في ثلاث : من الرياح في الصبا ، والشمال والجنوب. أمّا الدبور فهي الريح العقيم لا بشارة فيها ، وقيل الرياح ثمانية : أربعة للرحمة وهي : المبشرات والناشرات والذاريات والمرسلات ، وأربعة للعذاب : وهي العقيم والصرصر في البر ، والعاصف والقاصف في البحر. وقرأ حمزة والكسائيّ : الريح بالتوحيد ، والباقون بالجمع.
فائدة أخرى : كل ريح في القرآن ليس فيها ألف ولام اتفق القرّاء على توحيدها ، وما فيها ألف ولام كما هنا ، اختلفوا في جمعها وتوحيدها إلا الحرف الأوّل في سورة الروم الرياح مبشرات اتفقوا على جمعها ، والريح تذكر وتؤنث (وَالسَّحابِ) أي : الغيم (الْمُسَخَّرِ) أي : المذلل بأمر الله يسير حيث شاء الله (بَيْنَ السَّماءِ وَالْأَرْضِ) بلا علاقة لا ينزل ولا يرتفع مع أنّ الطبع يقتضي أحدهما حتى يأتي أمر الله. وقيل : تسخير السحاب تقليبه في الجوّ بمشيئة الله واشتقاقه من السحب ؛ لأنّ بعضه يجر بعضا (لَآياتٍ) أي : دلالات واضحات على وحدانية الله تعالى (لِقَوْمٍ يَعْقِلُونَ) أي : ينظرون بعيون عقولهم ويعتبرون ؛ لأنها دلائل على عظيم القدرة وباهر الحكمة. وقول البيضاويّ : وعن النبيّ صلىاللهعليهوسلم : «ويل لمن قرأ هذه الآية فمجّ بها» (١). أي : لم يتفكر فيها ولم يعتبر بها. قال الوليّ العراقيّ : لم أقف عليه. وقال السيوطي : لم يرد في هذه الآية ولا بهذا اللفظ ، ثم قال عن عائشة أن النبيّ صلىاللهعليهوسلم قال : «أنزل عليّ الليلة (إِنَّ فِي خَلْقِ السَّماواتِ وَالْأَرْضِ وَاخْتِلافِ اللَّيْلِ وَالنَّهارِ لَآياتٍ لِأُولِي الْأَلْبابِ») ثم قال : «ويل لمن قرأها ولم يتفكر فيها» (٢). قيل : للأوزاعيّ ما غاية التفكر فيهنّ؟ قال : يقرأهنّ وهو يعقلهنّ انتهى ولا ينافي هذا أنه ورد أيضا في هذه ومن حفظ حجة على من لم يحفظ قال البيضاويّ : وفي الآية تنبيه على شرف علم الكلام وأهله وحث على البحث والنظر فيه انتهى.
ولا ينافي هذا قول الشافعي رضي الله تعالى عنه ؛ لأن يلقى العبد ربه بكل ذنب ما عدا الشرك خير له من أن يلقاه بعلم الكلام ؛ لأنه محمول على التوغل فيه ، فيصير فلسفيا.
(وَمِنَ النَّاسِ) وهم المشركون (مَنْ يَتَّخِذُ مِنْ دُونِ اللهِ) أي : غيره (أَنْداداً) أي : أصناما يعبدونها (يُحِبُّونَهُمْ) بالتعظيم والخضوع (كَحُبِّ اللهِ) أي : كحبهم له كما قال الزجاج : يحبون الأصنام كما يحبون الله ؛ لأنهم أشركوها مع الله ، فسووا بين الله وبين أصنامهم في المحبة أو يحبون آلهتهم كحب المؤمنين الله (وَالَّذِينَ آمَنُوا أَشَدُّ حُبًّا لِلَّهِ) أي : أثبت وأدوم على حبه ؛ لأنهم لا
__________________
(١) أخرجه بنحوه الزبيدي في إتحاف السادة المتقين ٩ / ١١٩ ، و ١٠ / ٢١٠ ، والفتني في تذكرة الموضوعات ٨١ ، والزمخشري في تفسيره ١ / ٢٣٧.
(٢) أخرجه الزبيدي في إتحاف السادة المتقين ٩ / ٤٧ ، و ١١٩ ، ١٠ / ٦٣ ، والسيوطي في الدر المنثور ٢ / ١١١ ، والمتقي الهندي في كنز العمال ٢٥٧٦.
![تفسير الخطيب الشربيني [ ج ١ ] تفسير الخطيب الشربيني](/_next/image?url=https%3A%2F%2Flib.rafed.net%2FBooks%2F4027_tafsir-alkhatib-alshirbini-01%2Fimages%2Fcover.jpg&w=640&q=75)
