والتقدير (مِنْ بَعْدِ ما جاءَكَ) بين لك (مِنَ الْعِلْمِ) بالوحي في القبلة (إِنَّكَ إِذاً) إن اتبعتهم (لَمِنَ الظَّالِمِينَ) أي : من المرتكبين الظلم الفاحش ، وفي هذا لطف للسامعين وزيادة تحذير واستفظاع لحال من ترك الدليل بعد إنارته وتتبع الهوى وتهييج للثبات على الحق ، وقد أكد سبحانه وتعالى التهديد في ذلك وبالغ فيه.
قال البيضاوي من سبعة أوجه : الأوّل : الإتيان باللام الموطئة للقسم ، الثاني : القسم المضمر ، الثالث : حرف التحقيق أي : التأكيد وهي أن ، الرابع تركيبه من جملة اسمية ، الخامس : الإتيان باللام في الخبر أي : وهو من الظالمين ، السادس : جعله من الظالمين أي : تعريف الظالمين الدال على المعروفين ولم يقل إنك ظالم ، فإن في الاندراج معهم إيهاما بحصول أنواع الظلم ؛ لأنّ أل في الظالمين للاستغراق ، السابع : التقييد بمجيء العلم تعظيما للحق المعلوم وتحريضا على اقتضائه وتحذيرا عن متابعة الهوى واستفظاعا لظهور الذنب عن الأنبياء.
(الَّذِينَ آتَيْناهُمُ الْكِتابَ) أي : علماؤهم (يَعْرِفُونَهُ) أي : محمدا صلىاللهعليهوسلم لسبق ذكره بلفظ الرسول مرّتين ، وقول البيضاويّ تتبعا للزمخشري وإن لم يسبق ذكره ممنوع ، وقيل : القرآن وقيل : التحويل ، ويدل للأوّل قوله تعالى : (كَما يَعْرِفُونَ أَبْناءَهُمْ) أي : من بين الصبيان ، قال عمر بن الخطاب رضي الله تعالى عنه لعبد الله بن سلام رضي الله تعالى عنه : كيف هذه المعرفة؟ قال عبد الله : يا عمر لقد عرفته حين رأيته كما أعرف ابني ومعرفتي بمحمد صلىاللهعليهوسلم أشدّ من معرفتي بابني فقال عمر : وكيف ذلك؟ قال : لست أشك في محمد أنه نبي وأمّا ولدي فلعل والدته خانت فقال عمر : وفقك الله تعالى يا ابن سلام فقد صدقت.
فإن قيل : لم خص الأبناء من الأولاد؟ أجيب : بأنّ الذكور أشهر وأعرف وهم لصحبة الآباء ألزم وبقلوبهم ألصق (وَإِنَّ فَرِيقاً مِنْهُمْ) أي : أهل الكتاب (لَيَكْتُمُونَ الْحَقَ) أي : صفته صلىاللهعليهوسلم وأمر الكعبة (وَهُمْ يَعْلَمُونَ) ولا يظهرونه عنادا.
وقوله تعالى : (الْحَقُّ مِنْ رَبِّكَ) كلام مستأنف ، والحق إما مبتدأ خبره من ربك والمعنى أنه الحق أي : ما ثبت أنه من الله تعالى كالذي أنت عليه لا ما لم يثبت كالذي عليه أهل الكتاب ، وإما خبر مبتدأ محذوف أي : هذا الحق ومن ربك حال أو خبر ، بعد خبر والمعنى أنّ ما جاءك من العلم أو ما يكتمونه هو الحق لا ما يزعمون (فَلا تَكُونَنَّ مِنَ الْمُمْتَرِينَ) أي : من الشاكين في أنه من ربك أو في كتمانهم الحق عالمين به أي : فلا تكونن من هذا النوع وهو أبلغ من لا تمتر وليس فيه نهي للرسول صلىاللهعليهوسلم عن الشك فيه ؛ لأنه غير متوقع منه بل إما لتحقيق الأمر ، وإنه بحيث لا يشك فيه ناظر ، وإمّا أنّ المراد به أمته.
(وَلِكُلٍ) أي : أمة من الأمم (وِجْهَةٌ) أي : قبلة أو لكل قوم من المسلمين جهة وجانب من الكعبة (هُوَ مُوَلِّيها) وجهه في صلاته ، وقرأ ابن عامر وحده مولاها بفتح اللام وألف بعدها أي : هو مولى تلك الجهة قد وليها ، والباقون بكسر اللام وياء بعدها وعلى هذا فأحد المفعولين محذوف أي : هو موليها وجهه كما مرّ تقديره أو الله تعالى موليها إياه (فَاسْتَبِقُوا الْخَيْراتِ) أي : بادروا إلى الطاعات وقبولها من أمر القبلة وغيره مما تنالوا به سعادة الدارين (أَيْنَ ما تَكُونُوا) أنتم وأهل الكتاب (يَأْتِ بِكُمُ اللهُ جَمِيعاً) يوم القيامة ، فيجازيكم بأعمالكم (إِنَّ اللهَ عَلى كُلِّ شَيْءٍ قَدِيرٌ) فيقدر على الإحياء والجمع.
![تفسير الخطيب الشربيني [ ج ١ ] تفسير الخطيب الشربيني](/_next/image?url=https%3A%2F%2Flib.rafed.net%2FBooks%2F4027_tafsir-alkhatib-alshirbini-01%2Fimages%2Fcover.jpg&w=640&q=75)
