والغفور يتضمّن الأخرى ، لكن التوّاب أخصّ والغفور أعمّ ، فذكر حيث ما ذكر أعظم الذنبين الضلال والإضلال التوّاب ، وحيث ما ذكر أصغرهما ـ وهو الضلال دون الإضلال ـ ذكر الغفور (١). إن قيل : لم قال ههنا : (مِنْ بَعْدِ ذلِكَ) ولم يقل ثمّ؟ قيل : لما وصف ههنا قوما كان منهم إيمان متقدّم ، ثم حصل منهم كفر بعد إيمانهم ، قال : (مِنْ بَعْدِ ذلِكَ) ليبيّن أن الإيمان المتقدّم لا ينفعهم إذ قد أحبطوه وأبطلوه ، وأن الذي يعتدّ به هو ما يفعلونه من بعد (٢) ، ...
__________________
(١) في الأصل : (العفو) ، والصواب ما أثبته.
(٢) ليس هذا موضع اتفاق بين العلماء ، بل هناك بعض المحققين ذهب إلى أن الإيمان المتقدم الذي حبط بالردة يمكن أن يعود بالتوبة الصادقة ، وهذه مسألة تتعلق بحكم من أحكام التوبة ، وهو : أن العبد إذا تاب من الذنب ، فهل يرجع إلى ما كان عليه قبل الذنب من الدرجة التي حطّه عنها الذنب أو لا يرجع إليها؟ قال النووي : ومن حجّ ثم ارتدّ ثم أسلم لم يلزمه الحج ، بل يجزئه حجته السابقة عندنا. وقال أبو حنيفة وآخرون : يلزمه الحج ، ومبنى الخلاف على أن الردة متى تحبط العمل ؛ فعندهم تحبطه في الحال ، سواء أسلم بعدها أم لا ، فيصير كمن لم يحج ، وعندنا لا تحبطه إلا إذا اتصلت بالموت ، لقوله تعالى : (وَمَنْ يَرْتَدِدْ مِنْكُمْ عَنْ دِينِهِ فَيَمُتْ وَهُوَ كافِرٌ فَأُولئِكَ حَبِطَتْ أَعْمالُهُمْ) المجموع شرح المهذب (٧ / ٩).
وقال الإمام ابن القيم : اختلف في ذلك. فقالت طائفة : يرجع إلى درجته ، لأن التوبة تجبّ الذنب بالكلية ، وتصيّره كأن لم يكن ، والمقتضي
![تفسير الراغب الأصفهاني [ ج ١ ] تفسير الراغب الأصفهاني](/_next/image?url=https%3A%2F%2Flib.rafed.net%2FBooks%2F4015_tafsir-alraqib-alisfahani-01%2Fimages%2Fcover.jpg&w=640&q=75)
