روحه في بدء الأمر أمانته من ودائع أسرار ملكوته وجبروته في غيب الأزل ، وأيضا أي نحن لا نفشي أسرارنا إلا لمن كان في قلبه استعداد قبول معرفتنا ، وأيضا لا يختار لكشف جمالي إلا من كان قلبه في شوق إلى وصالي.
قال بعض الخراسانيين : الإشارة فيه : إنا لا نأخذ من عبادنا أشد أخذا ممن ادعى فينا أو اخبر عنا بما لم يكن له الإخبار عنه ، إلا من مدّيده إلى ما لنا وادعاه لنفسه.
وقال أبو عثمان : لا نتخذ من عبادنا وليّا إلا من ائتمناه على ودائعنا ؛ فحفظها ولم يخن فيها ، ولطيفة الواقعة مثل الحبيب إلى الحبيب ، ومكر الحبيب للحبيب حتى لا مفارق الحبيب عن الحبيب يتعلل بكل علة حتى يسلب حبيبه ، وهيهات من مفارق بين الحبيبين في محل الوصال فقال : (مَعاذَ اللهِ) أن تأخذ مكان حبيبي بديلا ، فليس في مذهب المحبة أخذ بديل الحبيب ، وفي معناه أنشدوا :
|
أبى القلب إلا حبّ ليلى |
|
وبغضت إليّ نساء ما لهنّ ذنوب |
قوله تعالى : (إِنَّ ابْنَكَ سَرَقَ) انظر كيف فعل بإسرائيل عليهالسلام سلب منه فاكهتي قلبه ، ثم نادى عليهما بالبيع والسرقة والفرقة والعزلة ليزيد عليه بلاؤه في محبته قالوا : (إِنَّ ابْنَكَ سَرَقَ) نسبوه إلى سرقة الصاع ، ونادى لسان القدر على أن بنيامين سرق يوسف عليهالسلام من بينهم وهموا فيما نسبوا إليه ، وسبب ذلك أنهم كانوا في زمان البلاء ، ومن كان في زمان بلائه يعرف طريق المخرج ، وكل الفعل يكون عليه لا له.
قال جعفر : كيف يجوز هذه اللفظة على نبي ابن نبي ، وهذا من مشكلات القرآن ، ومثله في قضية داود عليهالسلام (خَصْمانِ بَغى بَعْضُنا) ، وما كان خصمين وما بغيا ، صدق الصادق جعفر عليهالسلام : إن في القرآن كثيرا من هذه المتشابهات والمشكلات ، ولا يعلم تأويلها إلا الله ، والراسخون في العلم ، ومما علموا من هاهنا أن الله سبحانه تكلم بالحقيقة والأمثال والعبر والمجاز والخبر والقصص على وفق الواقعة ؛ فأخبر من حيث الظاهر عن قصتهم بما قالوا وفعلوا وفي الحقيقة حق ما قال ؛ لأن الواقعة لا تخلو من إشارة إلى شيء حقيقي كسرقة يوسف عليهالسلام بملاحة وجهه قلوب الخلق ، وقولهم في ذلك صدق.
وقوله : (إِنَّكُمْ لَسارِقُونَ) حقيقة ؛ لأنهم سرقوا الأمانة والعهد من بينهم وبين أبيهم ، وقولهم : (إِنَّ ابْنَكَ سَرَقَ) صدق أسرار يوسف عليهالسلام الذي سمع منه في الخلوة والوصال عنهم ، حيث ما أخبرهم ذلك السر ووضع الصاع في متاعه كان بتقريره ؛ فكلام الله صدق أخبر عن حقيقة وظاهرها مجاز وتصديق ذلك قوله تعالى : (وَما شَهِدْنا إِلَّا بِما عَلِمْنا)
![تفسير عرائس البيان في حقائق القرآن [ ج ٢ ] تفسير عرائس البيان في حقائق القرآن](/_next/image?url=https%3A%2F%2Flib.rafed.net%2FBooks%2F3976_tafsir-araes-albayan-02%2Fimages%2Fcover.jpg&w=640&q=75)
