انظر كيف كان أدبه عليهالسلام حيث لم يذكر زليخا ، وذكر النسوة ، وغرضه في ذلك زليخا ، ولكن أخرج نفسه من محل التهمة باللطف والرمز فيه ، كأنّه قال للرسول : (ما بالُ النِّسْوَةِ اللَّاتِي قَطَّعْنَ أَيْدِيَهُنَ) في وجهي ، واستغراقهن في حبي ، كأنه تكلم من ألم سره من آلام سرهن ، وفيه ما فيه من لطائف الإشارات ، وغرضه من تفحص إثبات الحجة على قومه ، وبيان طهارته من علة الزنا حتى لا يشوش اعتقادهم في شأن نبوته ورسالته ؛ لأنّه ينظر إلى الخلق وجاههم ، فإنّه كان في محل التمكين من التوكل والرضا ؛ فقوله : (ذلِكَ لِيَعْلَمَ أَنِّي لَمْ أَخُنْهُ بِالْغَيْبِ) : مظنة هذه المعاني لم أخنه في غيبته بنظر السوء إلى أهله.
وأيضا : لم أخنه في غيب خاطري بميل سري إلى غير الله ، وكيف أحزن ، وهو تعالى لا يهدي الخائن إلى مراده ؛ لأنّ من خان لا يظفر بما يريد ، ولا يهدي من طبعه الخيانة إلى محبته ومعرفته ومشاهدته.
قال ابن عطاء : لم أخونه فيما يتمني من الأهل والمال.
وقال سهل : لم أنقص له عهدا ولم أكشف له سرّا.
وقال الأستاذ في قوله : (لِيَعْلَمَ أَنِّي لَمْ أَخُنْهُ بِالْغَيْبِ) : بيان الشكر لما عصمت الله ، ولما قال : إنّي لم أخنه بالغيب عارضه لسان الحق في السر فيما همّ بقوله : (وَلَقَدْ هَمَّتْ بِهِ وَهَمَّ بِها).
وقال أهل التفسير : لما قال يوسف عليهالسلام هذه المقالة قال له جبريل عليهالسلام : ولا حين همت بها ؛ فلمّا سمع يوسف عليهالسلام أصوات الغيب بتغيير سره أدرك ما فاته من غيبته عن مراعاته النفس ، ولزم لسانها بالدعاوي واعتذر بقوله : (وَما أُبَرِّئُ نَفْسِي إِنَّ النَّفْسَ لَأَمَّارَةٌ بِالسُّوءِ إِلَّا ما رَحِمَ رَبِّي) ، مقالة الأولى من يوسف عليهالسلام خبر عن بدايته في وقوعه في البلاء ، وهناك جبلة النبوة المقدسة عن التهمة ، وما جرت في البين هو لطيفة
الله من قهره وامتحانه ، وغلبه قدره السابق على رسوم الأمر ، وما ذكر في العذر خبر من تلك اللطيفة.
وافهم : إن سرّ قوله : (وَما أُبَرِّئُ نَفْسِي إِنَّ النَّفْسَ لَأَمَّارَةٌ بِالسُّوءِ) ، إن هذه النفس ليست لشيطان ، ولا قلب ، ولا ملك ، ولا عقل ، ولا لشيء له أعين يتبين لأحد ، فبعضهم يسمي النفس الهوى ، وبعضهم يسمي النفس الطبيعة والبشرية ، وميلها إلى الشهوة يسمي النفس ، وهذه الأقوال هي صورة رسوم العلم وحقيقتها ، والله أعلم.
إنّما هي وجود قهر القدم يظهر فغلبته في الفعل ، ويحرك طباع الإنسانية المستعدة المخلوقة لقبول ما يصدر من القهريات مما يؤول أواخره إلى سخط الله ، وامتحانه ، وحجابه ،
![تفسير عرائس البيان في حقائق القرآن [ ج ٢ ] تفسير عرائس البيان في حقائق القرآن](/_next/image?url=https%3A%2F%2Flib.rafed.net%2FBooks%2F3976_tafsir-araes-albayan-02%2Fimages%2Fcover.jpg&w=640&q=75)
