قوله تعالى : (اذْكُرْنِي عِنْدَ رَبِّكَ فَأَنْساهُ الشَّيْطانُ ذِكْرَ رَبِّهِ) : إنّ الله سبحانه وصف مكان امتحان صديقه يوسف عليهالسلام ؛ حيث أغان قلبه عين قهر نكرته حتى وقع في بحر النكرة ، وامتنع عنه بوصف المعرفة ، فلمّا احتجب عن مطالعة جلال القدم بامتناع القدم بقي في رسم الطبيعة ، وعالم الصورة فسلك سبيل الأسباب ، وكان ذلك أقل من لمحة ، فلمّا طلعت على قلبه أنوار القدم ، وأدركه فيض الكرم على مكان الامتحان ، وعرف كيد الشيطان ، فرجع عن ذكر الإنسان إلى ساحة الرحمن ، وإذا أراد الله بالعبد العارف زيادة معرفته وقربته أوقعه لحظة في الغفلة عن الذكر ، ثم بدا لقلبه نور التجلي ، فيندم عن نسيانه ويسرع قلبه في طلب مزيد عرفانه ، فيكون أقوى في طلب الحق من الأول ، كانت غفلته عن الذكر تورث زيادة الذكر ، ومن كان أقرب إلى الله فهو أخذته في زلته أسرع ، وبلاؤه أوفر.
ألا ترى كيف جازاه بغفلة لحظة لبثه في السجن بضع سنين ، (فَلَبِثَ فِي السِّجْنِ بِضْعَ سِنِينَ) ، وإنّ الله سبحانه أراد من لبث يوسف عليهالسلام في السجن كمال تربيته في الخلوة ، وبلوغه إلى أخص درجة الأنس بالله ، وزيادة القوة في الوجد ، وتمكينه في الصحو ، ألا ترى إلى النبي صلىاللهعليهوسلم كيف تحنث في غار حراء ، وآنسه في الخلوة في أوائل النبوة.
ويحتمل أن قوله : (اذْكُرْنِي عِنْدَ رَبِّكَ) أي : عرفني له طريقي مع الله حتى يعرفني أنّي رسول الله ، ويطيعني في طاعة الله ، وينجو بذلك من عذابه ، ويصل إلى ثوابه ، ويأمر بالمعروف ، وينهى عن المنكر ، ويوحد الله سبحانه ، ويخلص من كيد الشيطان ، ومن تابعه من الإنسان.
وقوله : (فَأَنْساهُ الشَّيْطانُ ذِكْرَ رَبِّهِ) : إنّ يوسف عليهالسلام لم يعلم وقت إيمان الملك ، ولم يأت وقت دخوله في الإسلام : (فَأَنْساهُ الشَّيْطانُ ذِكْرَ رَبِّهِ) في سابق حكمه على تقدير وقت إيمان الملك ، فلبث في السجن إلى وقت إيمان الملك ، فنسيان يوسف عليهالسلام احتجابه عن النظر إلى مقادير السابق ، والله أعلم وأحكم.
قال الواسطي : احذروا أصول النفوس ؛ لئلا يكشف لكم عن مواضع العجز ، ألا ترى يوسف عليهالسلام كيف قال : (اذْكُرْنِي عِنْدَ رَبِّكَ) (١).
__________________
(١) قال التستري (١ / ٢٣٥) : حكي أن جبريل عليهالسلام دخل على يوسف في السجن ، فقال له جبريل : يا طاهر ابن طاهر ، إن الله تعالى أكرمني بك وبابائك ، وهو يقول لك : يا يوسف ، أما استحييت مني حيث استشفعت إلى غيري ، فوعزتي لألبثنك بضع سنين قال : يا جبريل ، هو عني راض؟ قال : نعم ، قال : إذن لا أبالي.
![تفسير عرائس البيان في حقائق القرآن [ ج ٢ ] تفسير عرائس البيان في حقائق القرآن](/_next/image?url=https%3A%2F%2Flib.rafed.net%2FBooks%2F3976_tafsir-araes-albayan-02%2Fimages%2Fcover.jpg&w=640&q=75)
