وقال بعضهم : أي : العالمين بعلم الرؤيا.
وقال أبو بكر الورّاق : الراجعين إلى الله في النوائب والمحن.
وقال يوسف بن الحسين : التاركين حظك لحظوظ إخوانك.
وقال الجنيد : العارفين حقائق الأمور.
قوله تعالى : (وَاتَّبَعْتُ مِلَّةَ آبائِي إِبْراهِيمَ وَإِسْحاقَ وَيَعْقُوبَ) : أخبر سبحانه عن كمال التوحيد يوسف عليهالسلام ، وتمكينه أسوة بابائه من الأنبياء والرسل.
ومعنى قوله : (وَاتَّبَعْتُ مِلَّةَ آبائِي) أي : أسألك طريق ما سلكوا إلى الله شوقا إلى وصاله ، وعشقا لجماله بأسرار نورانيه ، وأرواح ملكوتية ، وقلوب ربانية ، ونيات صادقة ، وأنفاس مقدسة ، ونفوس طاهرة ، وحقول عالمة بأحكام إلهامه ، وأسرار خطابه ، وأعلام ربوبيته ، وآثار عبوديته.
انظر كيف أحسن الأدب ؛ حيث ذكر الخليل عليهالسلام أولا ، وذكر إسحق عليهالسلام ثانيا ، ثم ذكر يعقوب عليهالسلام ؛ احتراما وإكراما لهم : أي : اتبعت الخليل عليهالسلام في الخلة ، والمحبة ، والحلم ، والسخاء ، وإكرام الضيف ، والرضا بالمقدور ، والتسليم في الأمر ، والحرقة ، والهيجان والبكاء ، والتلوة ، وإفراد القدم عن الحدوث ، حيث قال : (إِنِّي بَرِيءٌ مِمَّا تُشْرِكُونَ) [الأنعام : ٧٨] ، والصدق واليقين ، وطلب مشاهدة الحق في الايات ، وهو مقلم الالتباس ، بقوله : (رَبِّ أَرِنِي كَيْفَ تُحْيِ الْمَوْتى) [البقرة : ٢٦٠] ، والإسلام ، والانقياد ، والحنيفة السهلة ، واتبعت ملة إسحاق عليهالسلام ؛ حيث ألقى نفسه لأمر الله ، وذبحه على باب ربوبيته ، وقربان النفس عند سرادق مجده ، والانقياد عند أمر أبيه ؛ حيث فعل بأمر الله ما فعل ، واتبعت ملة يعقوب عليهالسلام بالصبر الجميل ، والحزن الطويل ، والبكاء على الدوام ، وتحمل البلاء على التسرمد.
وافهم أن المتابعة وصف الخاصين من المريدين ، ومن لم يتأدب باداب أهل الطريقة والحقيقة لم يبلغ إلى درجات القوم.
ثم بيّن سبحانه قول يوسف عليهالسلام أن ملة آبائه إفراد القدم عن الحدوث ، وتجريد التوحيد ، وتطهير الإدراك عن الإشراك بقوله : (ما كانَ لَنا أَنْ نُشْرِكَ بِاللهِ مِنْ شَيْءٍ) : أي : لا ألتفت في طريق محبته إلى غيره.
ثم بين أن ذلك خارج عن اكتساب البشر ، بل متعلق بسابق اختيار الله لهم واصطفائيته لهم في الأزل بقوله : (ذلِكَ مِنْ فَضْلِ اللهِ عَلَيْنا) : أي : ما ذكرت من شمائلهم ، وما وهبني الله من علم الغيب والحسن ، والجمال من فضل الله علىّ وعلى آبائي ، (وَعَلَى النَّاسِ) : أي :
![تفسير عرائس البيان في حقائق القرآن [ ج ٢ ] تفسير عرائس البيان في حقائق القرآن](/_next/image?url=https%3A%2F%2Flib.rafed.net%2FBooks%2F3976_tafsir-araes-albayan-02%2Fimages%2Fcover.jpg&w=640&q=75)
