وقال بعض أهل التأويل : إن رسول الله صلىاللهعليهوسلم استشار في أسارى (١) يوم بدر أصحابه ، فقال لأبي بكر : «يا أبا بكر ، ما تقول فيهم؟» (٢) فقال : يا رسول الله ؛ قومك وأهلك ، فاستبقهم [واستأمنهم](٣) لعل الله يتوب عليهم ، وقال عمر : يا رسول الله ؛ كذبوك وأخرجوك ، قدمهم فاضرب أعناقهم ، وقال عبد الله بن رواحة (٤) : يا رسول الله ، انظر واديا كثير الحطب ، فأدخلهم فيه وأضرمه عليهم نارا ، فقال له العباس : قطعت رحمك ، فسكت رسول الله فلم يجبهم شيئا ، ثم قام فدخل ، فقال ناس : يقول بقول أبي بكر ، وقال ناس : يقول بقول عمر ، وقال ناس : يقول بقول عبد الله ، ثم خرج عليهم رسول الله صلىاللهعليهوسلم فقال : «إن الله ليلين قلوب رجال فيه حتى تكون ألين من اللين ، وإن الله ليشدد قلوب رجال فيه حتى تكون أشد من الحجارة ، وإن مثلك يا أبا بكر كمثل إبراهيم ، قال : (فَمَنْ تَبِعَنِي فَإِنَّهُ مِنِّي وَمَنْ عَصانِي فَإِنَّكَ غَفُورٌ رَحِيمٌ) [إبراهيم : ٣٦] ، وإن مثلك يا أبا بكر كمثل عيسى ؛ حيث قال : (إِنْ تُعَذِّبْهُمْ فَإِنَّهُمْ عِبادُكَ) [المائدة : ١١٨] وإن مثلك يا عمر كمثل موسى ؛ حيث قال : (رَبَّنَا اطْمِسْ عَلى أَمْوالِهِمْ وَاشْدُدْ عَلى قُلُوبِهِمْ) [يونس : ٨٨] ، وقال : يا عمر ، إن مثلك كمثل نوح ؛ حيث قال : (رَبِّ لا تَذَرْ عَلَى الْأَرْضِ مِنَ الْكافِرِينَ دَيَّاراً) [نوح : ٢٦] ، ولا يسألن أحد منكم إلا بفداء أو ضربة عنق» ، قال عبد الله : إلا سهيل بن بيضاء (٥) فإني سمعته يذكر الإسلام ، فسكت رسول الله ، فما رأيتني في يوم أخوف من أن تقع علي حجارة في ذلك اليوم ، حتى قال رسول الله صلىاللهعليهوسلم : «إلا سهيل بن بيضاء» ، فأنزل الله : (ما كانَ لِنَبِيٍّ أَنْ يَكُونَ لَهُ أَسْرى) إلى آخر ما ذكر (٦).
__________________
(١) في أ : الأسارى.
(٢) في أ : تقولون فيه.
(٣) سقط في أ.
(٤) عبد الله بن رواحة بن ثعلبة الأنصاري الخزرجي ، استشهد بمؤتة رضي الله عنه. ينظر الخلاصة (٢ / ٥٥ ، ٥٦).
(٥) سهيل بن بيضاء ، بيضاء : أمه ، واسمها : دعد ، واسم أبيه : وهب بن ربيعة بن عمرو بن عامر بن ربيعة بن هلال بن مالك بن ضبة بن الحارث بن فهر ، القرشي ذكره ابن إسحاق وقال : إنه شهد بدرا وتوفي سنة تسع ، وعده في البدريين أيضا : موسى بن عقبة ، وزعم ابن الكلبي أنه الذي أسر يوم بدر ، وشهد له ابن مسعود ، ورد ذلك الواقدي ، وقال : إنما هو أخو سهل ، والصحيح ما ذكره ابن الكلبي كما في الأثر الذي ساقه المصنف رحمهالله.
ينظر : الإصابة (٣ / ١٧٤ ، ١٧٥) ت (٣٥٧٤) ، وأسد الغابة ت (٢٣١٦) ، والاستيعاب ت (١١٠٥) ، والجرح والتعديل (٤ / ٢٤٥) ، وتهذيب الأسماء واللغات (١ / ٢٣٩).
(٦) أخرجه ابن جرير (٦ / ٢٨٧ ـ ٢٨٨) (١٦٣٠٧) عن ابن مسعود ، (١٦٣٠٨) عن عبد الله بن عباس.
وذكره السيوطي في الدر (٣ / ٣٦٤ ـ ٣٦٥) وعزاه لابن أبي شيبة وأحمد ، والترمذي وحسنه ، وابن المنذر وابن أبي حاتم والطبراني ، والحاكم وصححه ، وابن مردويه والبيهقي في الدلائل عن ابن مسعود.
![تأويلات أهل السنّة تفسير الماتريدي [ ج ٥ ] تأويلات أهل السنّة تفسير الماتريدي](/_next/image?url=https%3A%2F%2Flib.rafed.net%2FBooks%2F3971_tawilat-ahl-alsunna-05%2Fimages%2Fcover.jpg&w=640&q=75)
