قال بعضهم (١) : قوله : (إِنْ يَكُنْ مِنْكُمْ عِشْرُونَ صابِرُونَ يَغْلِبُوا ...) ، على الأمر ، كأنه قال : ليكن منكم عشرون صابرون يغلبوا ؛ أمر العشرة القيام للمائة ؛ وقالوا : دليل أنه على الأمر قوله : (الْآنَ خَفَّفَ اللهُ عَنْكُمْ) الآية ، ولو لم يكن على الأمر والعزيمة ، لم يكن لذكر التخفيف معنى.
وقال آخرون : هو على الوعد أنهم إذا صبروا وثبتوا لعدوهم غلبوا عدوهم ؛ على ما أخبر : (كَمْ مِنْ فِئَةٍ قَلِيلَةٍ غَلَبَتْ فِئَةً كَثِيرَةً بِإِذْنِ اللهِ ...) الآية [البقرة : ٢٤٩] ، ليس على الأمر ؛ لأنه قال : (إِنْ يَكُنْ مِنْكُمْ عِشْرُونَ صابِرُونَ يَغْلِبُوا مِائَتَيْنِ) ، أخبر أنهم إذا صبروا غلبوهم ، وهو كذلك ـ والله أعلم ـ إذ ظاهره وعد وخبر.
والأشبه : أن يكون على الأمر ، ليس على الخبر ، على ما ذكرنا من قوله : (الْآنَ خَفَّفَ اللهُ عَنْكُمْ).
وقوله ـ عزوجل ـ : (بِأَنَّهُمْ قَوْمٌ لا يَفْقَهُونَ).
ما لهم وعليهم.
وقوله ـ عزوجل ـ : (الْآنَ خَفَّفَ اللهُ عَنْكُمْ وَعَلِمَ أَنَّ فِيكُمْ ضَعْفاً).
فإن قيل : ما معنى قوله : (وَعَلِمَ أَنَّ فِيكُمْ ضَعْفاً) ، وقد كان يعلم أن فيهم ضعفا وقت ما أمر العشرة القيام لمائة ، والعشرين لمائتين؟!
قيل : أمر بذلك مع علمه أن فيهم ضعفا ، وإن كان في ذلك إهلاك أنفسهم ، وذلك منه عدل ؛ إذ له الأنفس إن شاء أتلفها بالموت ، وإن شاء بالقتل بقتل العدو ، والتخفيف منه رحمة وفضل ، أمر الواحد القيام لعشرة على علم منه بالضعف ابتداء ؛ امتحانا منه ، وله أن يمتحن عباده بما فيه وسعهم وبما لا وسع لهم فيه ، وفي الحكمة ذلك ؛ إذ له الأنفس ، له أن يتلفها كيف شاء بما شاء ، وهو ما ذكر بقوله : (وَلَوْ أَنَّا كَتَبْنا عَلَيْهِمْ ...) الآية [النساء : ٦٦] ، ولو لم يكن له في الحكمة ذلك لا يحتمل أن يكتب ذلك عليهم.
والثاني : يعلم فيهم الضعف كائنا شاهدا كما علم أنه يكون ، وهو ما ذكرنا في قوله : (حَتَّى نَعْلَمَ الْمُجاهِدِينَ مِنْكُمْ وَالصَّابِرِينَ ...) الآية [محمد ٣٥] ، أي : يعلمه مجاهدا كما علم أنه يجاهد ؛ فعلى ذلك هذا.
ثم ذكر العشرة والعشرين يحتمل على التحديد.
ويحتمل لا على التحديد.
__________________
(١) أخرجه ابن جرير (٦ / ٢٨٤) (١٦٢٩١) عن ابن عباس بنحوه ، وذكره السيوطي في الدر (٣ / ٣٦٣) وعزاه لأبي الشيخ وابن مردويه عن ابن عباس.
![تأويلات أهل السنّة تفسير الماتريدي [ ج ٥ ] تأويلات أهل السنّة تفسير الماتريدي](/_next/image?url=https%3A%2F%2Flib.rafed.net%2FBooks%2F3971_tawilat-ahl-alsunna-05%2Fimages%2Fcover.jpg&w=640&q=75)
