وقوله ـ عزوجل ـ : (وَإِنِّي جارٌ لَكُمْ).
قيل (١) : مجير لكم : مغيث ؛ فعلى هذا التأويل كان قوله : (وَإِنِّي جارٌ لَكُمْ) ؛ كأنه يخبر عن الله أنه يغيثهم كما أغاثهم من قبل في غير مرة.
وقال بعضهم (٢) : إن الشيطان تمثل في صورة رجل يقال له سراقة بن مالك بن جعشم (٣) ، فأتاهم فقال : لا ترجعوا حتى تستأصلوهم ؛ فإنكم كثير وعدوكم قليل فتأمن عيركم ونحو هذا من الكلام.
وقال صاحب التأويل الأول : لا يحتمل هذا ؛ لأن أهل مكة كانوا جبابرة ، وأهل قوة وبطش وبأس ، فلا يحتمل أن يصدروا عن آراء رجل هو دونهم وهم بالوصف الذي ذكرنا.
وعلى هذا التأويل أنه تمثل به فلان يكون قوله : (وَإِنِّي جارٌ لَكُمْ) ما ذكر في بعض القصة (٤) أن أبا جهل وأصحابه اعتزلوا واستشاروا (٥) فيما بينهم ، فأتاهم إبليس متمثلا بسراقة ، فامتنعوا عنه واستأخروا ، فلما رأى ذلك منهم ، فقال : إني جار لكم وكان جارا لهم ؛ فتأويل هؤلاء أشبه بما ذكر في آخر الآية.
وقوله ـ عزوجل ـ : (فَلَمَّا تَراءَتِ الْفِئَتانِ نَكَصَ عَلى عَقِبَيْهِ) ، أي : رجع مستأخرا مقبلا
__________________
(١) انظر : تفسير الخازن والبغوي (٣ / ٥١).
(٢) أخرجه ابن جرير (٦ / ٣٦٤ ـ ٣٦٥) عن كل من : ابن عباس (١٦١٩٨ ، ١٦٢٠٣) ، السدي (١٦١٩٩) ، عروة بن الزبير (١٦٢٠٠) ، ابن إسحاق (١٦٢٠١) ، قتادة (١٦٢٠٢) ، الحسن (١٦٢٠٦) ، محمد بن كعب (١٦٢٠٧).
وذكره السيوطي في الدر (٣ / ٣٤٤ ـ ٣٤٥) وزاد نسبته لابن المنذر وابن أبي حاتم وابن مردويه والبيهقي في الدلائل عن ابن عباس ، وللطبراني وأبي نعيم في الدلائل عن رفاعة بن رافع الأنصاري.
(٣) سراقة بن مالك بن جعشم بن مالك بن عمرو بن تيم بن مدلج بن مرة بن عبد مناة بن كنانة ، الكناني المدلجي. وقد ينسب إلى جده. يكنى أبا سفيان ، كان ينزل قديدا.
روى البخاري قصته في إدراكه النبي صلىاللهعليهوسلم لما هاجر إلى المدينة ، ودعا النبي صلىاللهعليهوسلم حتى ساخت رجلا فرسه ، ثم إنه طلب منه الخلاص وأ لا يدل عليه ففعل ، وكتب له أمانا وأسلم يوم الفتح.
فلما أتى عمر بسواري كسرى ومنطقته وتاجه دعا سراقة فألبسه وكان رجلا أزب كثير شعر الساعدين ، فقال له : ارفع يديك وقل : الحمد لله الذي سلبهما كسرى بن هرمز وألبسهما سراقة الأعرابي.
قال أبو عمر : مات في خلافة عثمان سنة أربع وعشرين. وقيل : بعد عثمان.
ينظر : الإصابة (٣ / ٣٥ ـ ٣٦) ، أسد الغابة ت (١٩٥٥) ، الاستيعاب ت (٩١٢) ، الثقات (٣ / ١٨٠) ، تجريد أسماء الصحابة (١ / ٢١٠) ، تقريب التهذيب (١ / ٢٨٤) ، تهذيب التهذيب (٣ / ٤٥٦) ، تهذيب الكمال (١ / ٤٦٦) ، الكاشف (١ / ٣٤٩) ، الجرح والتعديل (٤ / ١٣٤٢).
(٤) أخرجه ابن جرير (٦ / ٢٦٤) (١٦٢٠٠) عن عروة بن الزبير.
(٥) في ب : وأشاروا.
![تأويلات أهل السنّة تفسير الماتريدي [ ج ٥ ] تأويلات أهل السنّة تفسير الماتريدي](/_next/image?url=https%3A%2F%2Flib.rafed.net%2FBooks%2F3971_tawilat-ahl-alsunna-05%2Fimages%2Fcover.jpg&w=640&q=75)
