وزعم بعضهم أن القارئ خفيّا يسمى ناصتا [ومنصتا](١) ، واستدل بما روي عن أبي هريرة ـ رضي الله عنه ـ [قال كان](٢) رسول الله صلىاللهعليهوسلم إذا كبر سكت بين التكبير والقراءة ، قلت : بأبي أنت ، أرأيت سكاتك بين التكبير والقراءة ، أخبرني ما تقول؟ قال صلىاللهعليهوسلم : «أقول : اللهم باعد بيني وبين خطاياي كما باعدت بين المغرب والمشرق» (٣) وغير ذلك من الدعوات ، فقال هذا القائل : قد سمى النبي صلىاللهعليهوسلم القارئ مخفيا ساكتا ، والصامت مثل الساكت ، فيجوز أن يسمي صامتا ، وهو أن يقرأ مخفيا ، كما يسمى ساكتا.
قال القتبي : غلط هذا القائل في تشبيه الصامت بالساكت ؛ لأن الأسماء لا تقاس ، وإنما يطلق في كل واحد منهما ما أطلقته اللغة فيه.
ومما يبين غلطه أن الله يقول : (فَاسْتَمِعُوا لَهُ وَأَنْصِتُوا) ، فلو كان القارئ مخفيا يسمى صامتا ناصتا ما كان مستمعا ، وإنما يكون مستمعا صامتا إذا صمت فلم يقرأ ؛ فمن أطلق له أن يقرأ والإمام يقرأ فلم يستمع ، ولا أنصت.
ومما يدل على غلطه ـ أيضا ـ أن العلماء جميعا ينهون المؤتم عن القراءة وإمامه يجهر بالقراءة ، وإنما يأمر من يأمره بالقراءة خلف الإمام أن يقرأ إذا سكت إمامه ، ويأمر هؤلاء الإمام أن يقف ساعة إذا فرغ من قراءته حتى يقرأ المؤتمون ، فلو كانوا يجعلون القارئ في نفسه والإمام يقرأ جهرا صامتا ما أمروه بتأخير القراءة حتى يفرغ إمامه من القراءة ؛ فهذا يبين غلط المستدل بحديث أبي هريرة في استدلاله.
ومما يدل على أن المؤتم منهي عن أن يقرأ والإمام يجهر ما روي عن أبي هريرة ـ رضي الله عنه ـ أن النبي صلىاللهعليهوسلم صلى بهم صلاة ـ فظن أنها الصبح ـ فلما سلم أقبل على الناس ، قال : «هل يقرأ أحد منكم؟! فقال رجل : أنا ، فقال النبي : «إني أقول : ما لي أنازع القرآن» قال أبو هريرة : فانتهى الناس عن القراءة فيما يجهر فيه النبي (٤) صلى الله عليه
__________________
(١) سقط في ب.
(٢) في أ : أن.
(٣) أخرجه البخاري (٢ / ٢٢٧) كتاب الأذان باب ما يقول بعد التكبير (٧٤٤) ، ومسلم (١ / ٤١٩) كتاب المساجد : باب ما يقال بين تكبيرة الإحرام والقراءة (١٤٧ / ٥٩٨) ، وأبو داود (١ / ٢٠٥) كتاب الصلاة : باب السكتة عند الافتتاح (٧٨١) والنسائى في السنن (٢ / ١٢٩) كتاب الافتتاح باب الدعاء بين التكبيرة والقراءة.
(٤) أخرجه أبو داود (١ / ٢١٨) كتاب الصلاة : باب من كره القراءة بفاتحة الكتاب (٨٢٦) ، والترمذي (٢ / ١١٨) أبواب الصلاة ، باب ما جاء في ترك القراءة خلف الإمام (٣١٢) ، والنسائي (٢ / ١٤٠) ، وأحمد (٢ / ٢٤٠) ، ومالك في الموطأ (١ / ٨٦ ـ ٨٧).
![تأويلات أهل السنّة تفسير الماتريدي [ ج ٥ ] تأويلات أهل السنّة تفسير الماتريدي](/_next/image?url=https%3A%2F%2Flib.rafed.net%2FBooks%2F3971_tawilat-ahl-alsunna-05%2Fimages%2Fcover.jpg&w=640&q=75)
