|
ليس من مات فاستراح بميت |
|
إنّما الميت ميّت الأحياء (١) |
(فَأَحْيَيْنا بِهِ الْأَرْضَ) أي : أحيينا بالمطر الأرض بإنبات ما ينبت فيها ، وإن لم يتقدّم ذكر المطر فالسحاب يدل عليه ، أو أحيينا بالسحاب ، لأنه سبب المطر (بَعْدَ مَوْتِها) أي : بعد يبسها ، استعار الإحياء للنبات والموت لليبس (كَذلِكَ النُّشُورُ) أي : كذلك يحيي الله العباد بعد موتهم كما أحيا الأرض بعد موتها ، والنشور : البعث ، من نشر الإنسان نشورا ، والكاف في محل رفع على الخبرية ، أي : مثل إحياء موات الأرض ؛ إحياء الأموات ، فكيف تنكرونه وقد شاهدتم غير مرّة ما هو مثله وشبيه به (مَنْ كانَ يُرِيدُ الْعِزَّةَ) قال الفراء : معناه من كان يريد علم العزة لمن هي؟ فإنها لله جميعا. وقال قتادة : من كان يريد العزّة فليتعزز بطاعة الله ، فجعل معنى فلله العزّة : الدعاء إلى طاعة من له العزّة ، كما يقال من أراد المال ؛ فالمال لفلان ، أي : فليطلبه من عنده. وقال الزجاج : تقديره من كان يريد بعباده العزّة ، والعزّة له سبحانه ، فإن الله عزوجل يعزّه في الدنيا والآخرة. وقيل المراد بقوله : (مَنْ كانَ يُرِيدُ الْعِزَّةَ) المشركون ، فإنهم كانوا يتعزّزون بعبادة الأصنام : كقوله : (وَاتَّخَذُوا مِنْ دُونِ اللهِ آلِهَةً لِيَكُونُوا لَهُمْ عِزًّا) (٢) وقيل المراد : الذين كانوا يتعزّزون بهم من الذين آمنوا بألسنتهم (الَّذِينَ يَتَّخِذُونَ الْكافِرِينَ أَوْلِياءَ مِنْ دُونِ الْمُؤْمِنِينَ أَيَبْتَغُونَ عِنْدَهُمُ الْعِزَّةَ) (٣) الآية (فَلِلَّهِ الْعِزَّةُ جَمِيعاً) أي : فليطلبها منه لا من غيره ، والظاهر في معنى الآية : أن من كان يريد العزّة ويطلبها من الله عزوجل : فلله العزّة جميعا ، ليس لغيره منها شيء ، فتشمل الآية كلّ من طلب العزّة ، ويكون المقصود بها التنبيه لذوي الأقدار والهمم ؛ من أين تنال العزّة ، ومن أيّ جهة تطلب؟ (إِلَيْهِ يَصْعَدُ الْكَلِمُ الطَّيِّبُ وَالْعَمَلُ الصَّالِحُ يَرْفَعُهُ) أي : إلى الله يصعد لا إلى غيره ، ومعنى صعوده إليه : قبوله له ، أو صعود الكتبة من الملائكة بما يكتبونه من الصحف ، وخصّ الكلم الطيب بالذكر لبيان الثواب عليه ، وهو يتناول كلّ كلام يتصف بكونه طيبا من ذكر الله ، وأمر بمعروف ، ونهي عن منكر ، وتلاوة وغير ذلك ، فلا وجه لتخصيصه بكلمة التوحيد ، أو بالتحميد والتمجيد. وقيل المراد بصعوده : صعوده إلى سماء الدنيا. وقيل المراد بصعوده : علم الله به ، ومعنى : (وَالْعَمَلُ الصَّالِحُ يَرْفَعُهُ) أن العمل الصالح يرفع الكلم الطيب ، كما قال الحسن ، وشهر بن حوشب ، وسعيد بن جبير ومجاهد ، وقتادة ، وأبو العالية ، والضحاك ، ووجهه أنه لا يقبل الكلم الطيب إلا مع العمل الصالح. وقيل إن فاعل يرفعه : هو الكلم الطيب ، ومفعوله : العمل الصالح ، ووجهه أن العمل الصالح لا يقبل إلا مع التوحيد والإيمان. وقيل : إن فاعل يرفعه ضمير يعود إلى الله عزوجل. والمعنى : أن الله يرفع العمل الصالح على الكلم الطيب ، لأن العمل يحقق الكلام. وقيل : والعمل الصالح يرفع صاحبه ، وهو الذي أراد العزّة. وقال قتادة : المعنى أن الله يرفع العمل الصالح لصاحبه ، أي : يقبله ، فيكون قوله : (وَالْعَمَلُ الصَّالِحُ) على هذا : مبتدأ ، خبره : يرفعه ، وكذا على قول من قال : يرفع صاحبه. قرأ الجمهور «يصعد» من صعد الثلاثي. «والكلم الطّيّب» بالرفع على الفاعلية. وقرأ علي ، وابن مسعود «يصعد» بضم حرف المضارعة من أصعد ، «والكلم الطّيّب» بالنصب على المفعولية وقرأ الضحاك على البناء للمفعول ،
__________________
(١). البيت لعدي بن الرعلاء.
(٢). مريم : ٨١.
(٣). النساء : ٣٩.
![فتح القدير [ ج ٤ ] فتح القدير](/_next/image?url=https%3A%2F%2Flib.rafed.net%2FBooks%2F3966_fath-alghadir-04%2Fimages%2Fcover.jpg&w=640&q=75)
