وصوله إلى ماء مدين (قالَ) شعيب (لا تَخَفْ نَجَوْتَ مِنَ الْقَوْمِ الظَّالِمِينَ) أي : فرعون وأصحابه ، لأن فرعون لا سلطان له على مدين ، وللرازي في هذا الموضع إشكالات باردة جدا لا تستحق أن تذكر في تفسير كلام الله عزوجل ، والجواب عليها يظهر للمقصر فضلا عن الكامل ، وأشفّ ما جاء به أن موسى كيف أجاب الدعوة المعللة بالجزاء لما فعله من السقي. ويجاب عنه بأنه اتبع سنة الله في إجابة دعوة نبيّ من أنبياء الله ، ولم تكن تلك الإجابة لأجل أخذ الأجر على هذا العمل ، ولهذا ورد أنه لما قدّم إليه الطعام قال : إنا أهل بيت لا نبيع ديننا بملء الأرض ذهبا (قالَتْ إِحْداهُما يا أَبَتِ اسْتَأْجِرْهُ) القائلة هي التي جاءته ، أي : استأجره ليرعى لنا الغنم ، وفيه دليل على أن الإجارة كانت عندهم مشروعة. وقد اتفق على جوازها ومشروعيتها جميع علماء الإسلام إلّا الأصم فإنه عن سماع أدلتها أصمّ ، وجملة (إِنَّ خَيْرَ مَنِ اسْتَأْجَرْتَ الْقَوِيُّ الْأَمِينُ) تعليل لما وقع منها من الإرشاد لأبيها إلى استئجار موسى ، أي : إنه حقيق باستئجارك له لكونه جامعا بين خصلتي : القوّة ، والأمانة. وقد تقدّم في المرويّ عن ابن عباس وعمر أن أباها سألها عن وصفها له بالقوّة والأمانة ، فأجابته بما تقدّم قريبا (قالَ إِنِّي أُرِيدُ أَنْ أُنْكِحَكَ إِحْدَى ابْنَتَيَّ هاتَيْنِ) فيه مشروعية عرض وليّ المرأة لها على الرجل ، وهذه سنة ثابتة في الإسلام ، كما ثبت من عرض عمر لابنته حفصة على أبي بكر وعثمان ، والقصة معروفة ، وغير ذلك مما وقع في أيام الصحابة أيام النبوّة ، وكذلك ما وقع من عرض المرأة لنفسها على رسول الله صلىاللهعليهوسلم (عَلى أَنْ تَأْجُرَنِي ثَمانِيَ حِجَجٍ) أي : على أن تكون أجيرا لي ثماني سنين. قال الفراء : يقول على أن تجعل ثوابي أن ترعى غنمي ثماني سنين ، ومحل (عَلى أَنْ تَأْجُرَنِي) النصب على الحال ، وهو مضارع أجرته ، ومفعوله الثاني : محذوف ، أي : نفسك و (ثَمانِيَ حِجَجٍ) ظرف. قال المبرد : يقال : أجرت داري ومملوكي غير ممدود وممدودا والأول أكثر (فَإِنْ أَتْمَمْتَ عَشْراً فَمِنْ عِنْدِكَ) أي : إن أتممت ما استأجرتك عليه من الرعي عشر سنين فمن عندك ، أي : تفضلا منك لا إلزاما مني لك ، جعل ما زاد على الثمانية الأعوام إلى تمام عشرة أعوام ، موكولا إلى المروءة ، ومحل (فَمِنْ عِنْدِكَ) الرفع على تقدير مبتدأ ، أي : فهي من عندك (وَما أُرِيدُ أَنْ أَشُقَّ عَلَيْكَ) بإلزامك إتمام العشرة الأعوام ، واشتقاق المشقة من الشق ، أي : شق ظنه نصفين ، فتارة يقول : أطيق ، وتارة يقول : لا أطيق. ثم رغبه في قبول الإجارة فقال : (سَتَجِدُنِي إِنْ شاءَ اللهُ مِنَ الصَّالِحِينَ) في حسن الصحبة والوفاء ، وقيل : أراد الصلاح على العموم ، فيدخل صلاح المعاملة في تلك الإجارة تحت الآية دخولا أوليا ، وقيد ذلك بالمشيئة تفويضا للأمر إلى توفيق الله ومعونته. ثم لما فرغ شعيب من كلامه قرره موسى ف (قالَ ذلِكَ بَيْنِي وَبَيْنَكَ) واسم الإشارة مبتدأ وخبره ما بعده ، والإشارة إلى ما تعاقدا عليه ، وجملة (أَيَّمَا الْأَجَلَيْنِ قَضَيْتُ) شرطية وجوابها (فَلا عُدْوانَ عَلَيَ) والمراد بالأجلين : الثمانية الأعوام ، والعشرة الأعوام ، ومعنى قضيت : وفيت به ، وأتممته ، والأجلين مخفوض بإضافة أيّ إليه ، وما زائدة. وقال ابن كيسان : «ما» في موضع خفض بإضافة أيّ إليها ، و «الأجلين» بدل منها ، وقرأ الحسن (أيما) بسكون الياء ، وقرأ ابن مسعود (أيّ الأجلين ما قضيت) ومعنى (فَلا عُدْوانَ عَلَيَ) فلا ظلم عليّ بطلب الزيادة على ما قضيته من الأجلين ، أي : كما لا أطالب بالزيادة على الثمانية الأعوام لا أطالب
![فتح القدير [ ج ٤ ] فتح القدير](/_next/image?url=https%3A%2F%2Flib.rafed.net%2FBooks%2F3966_fath-alghadir-04%2Fimages%2Fcover.jpg&w=640&q=75)
