بين الحق والباطل. قوله : (يَقُصُّ الْحَقَ) قرأ نافع وابن كثير وعاصم (يَقُصُ) بالقاف والصاد المهملة ، وقرأ الباقون يقضي بالضاد المعجمة والياء ، وكذا قرأ عليّ وأبو عبد الرحمن السلمي وسعيد بن المسيب ، وهو مكتوب في المصحف بغير ياء. فعلى القراءة الأولى هو من القصص : أي يتبع الحق فيما يحكم به. وعلى القراءة الثانية هو من القضاء : أي يقضي القضاء بين عباده ، والحق منتصب على المفعولية ، أو على أنه صفة لمصدر محذوف ، أي يقضي القضاء الحق ، أو يقص القصص الحق (وَهُوَ خَيْرُ الْفاصِلِينَ) أي بين الحقّ والباطل بما يقضي به بين عباده ويفصله لهم في كتابه ، ثم أمره الله سبحانه أن يقول لهم : (لَوْ أَنَّ عِنْدِي ما تَسْتَعْجِلُونَ بِهِ) أي ما تطلبون تعجيله بأن يكون إنزاله بكم مقدورا لي وفي وسعي (لَقُضِيَ الْأَمْرُ بَيْنِي وَبَيْنَكُمْ) أي لقضى الله الأمر بيننا بأن ينزله الله سبحانه لكم بسؤالي له وطلبي ذلك ؛ أو المعنى : لو كان العذاب الذي تطلبونه وتستعجلون به عندي وفي قبضتي لأنزلته بكم ، وعند ذلك يقضى الأمر بيني وبينكم (وَاللهُ أَعْلَمُ بِالظَّالِمِينَ) وبالوقت الذي ينزل فيه عذابهم وبما تقتضيه مشيئته من تأخيره استدراجا لهم وإعذارا إليهم. قوله : (وَعِنْدَهُ مَفاتِحُ الْغَيْبِ لا يَعْلَمُها إِلَّا هُوَ) المفاتح جمع مفتح بالفتح ؛ وهو المخزن : أي عنده مخازن الغيب ، جعل للأمور الغيبية مخازن تخزن فيها على طريق الاستعارة ، أو جمع مفتح بكسر الميم ، وهو المفتاح ، جعل للأمور الغيبية مفاتح يتوصل بها إلى ما في المخازن منها على طريق الاستعارة أيضا ، ويؤيد أنها جمع مفتح بالكسر قراءة ابن السميقع وعنده مفاتيح الغيب فإن المفاتيح جمع مفتاح والمعنى : إن عنده سبحانه خاصة مخازن الغيب ، أو المفاتح التي يتوصل بها إلى المخازن. وقوله : (لا يَعْلَمُها إِلَّا هُوَ) جملة مؤكّدة لمضمون الجملة الأولى ، وأنه لا علم لأحد من خلقه بشيء من الأمور الغيبية التي استأثر الله بعلمها ، ويندرج تحت هذه الآية علم ما يستعجله الكفار من العذاب كما يرشد إليه السياق اندراجا أوّليا. وفي هذه الآية الشريفة ما يدفع أباطيل الكهّان والمنجّمين والرمليين وغيرهم من المدّعين ما ليس من شأنهم ، ولا يدخل تحت قدرتهم ولا يحيط به علمهم ، ولقد ابتلي الإسلام وأهله بقوم سوء من هذه الأجناس الضالة والأنواع المخذولة ولم يربحوا من أكاذيبهم وأباطيلهم بغير خطة السوء المذكورة في قول الصادق المصدوق صلىاللهعليهوسلم : «من أتى كاهنا أو منجّما فقد كفر بما أنزل على محمد». قوله : (وَيَعْلَمُ ما فِي الْبَرِّ وَالْبَحْرِ) خصّهما بالذّكر لأنهما من أعظم مخلوقات الله : أي يعلم ما فيهما من حيوان وجماد علما مفصلا لا يخفى عليه منه شيء ، أو خصهما لكونهما أكثر ما يشاهده الناس ويتطلعون لعلم ما فيهما (وَما تَسْقُطُ مِنْ وَرَقَةٍ إِلَّا يَعْلَمُها) أي من ورق الشجر وهو تخصيص بعد التعميم : أي يعلمها ويعلم زمان سقوطها ومكانه ، وقيل : المراد بالورقة ما يكتب فيه الآجال والأرزاق ، وحكى النقاش عن جعفر بن محمد : أن الورقة يراد بها هنا السقط من أولاد بني آدم ، قال ابن عطية : وهذا قول جار على طريقة الرموز ولا يصح عن جعفر بن محمد ولا ينبغي أن يلتفت إليه (وَلا حَبَّةٍ) كائنة (فِي ظُلُماتِ الْأَرْضِ) أي في الأمكنة المظلمة ، وقيل : في بطن الأرض (وَلا رَطْبٍ وَلا يابِسٍ) بالخفض عطفا على حبة : وهي معطوفة على ورقة. وقرأ ابن السميقع والحسن وغيرهما بالرفع عطفا على موضع من ورقة ، وقد شمل وصف الرطوبة واليبوسة جميع الموجودات. قوله : (إِلَّا فِي
![فتح القدير [ ج ٢ ] فتح القدير](/_next/image?url=https%3A%2F%2Flib.rafed.net%2FBooks%2F3964_fath-alghadir-02%2Fimages%2Fcover.jpg&w=640&q=75)
