وهو فى كل ذلك عزيز النفس ، بعيد عن الدنايا وارتكاب الخطايا (١).
وهكذا تكاملت أمامنا فيما عرضناه صورة المجتمع الرافض للخير ، وما كان له من عاقبة سيئة ، ثم ظهور تلك النبتة الخضراء التى تحمل فى ثناياها الإيمان والفكر المستنير ، فتأخذ بيد الحائر فى متاهات الحياة ، والفكر ، والعقل.
ويبدأ يتكون ذلك المجتمع المتكامل المؤمن ، الذى يشق طريقه إلى تحقيق حرية الحياة ، والعقيدة ، والفكر ، ويبذل فى سبيل ذلك كل مرتخص وغال من دم ومال ، وهذا طريق البناء الصحيح فى تحمل أعباء الحياة ، كما يبدو فى الآيات التالية.
٦ ـ قال الله تعالى : (أَمْ حَسِبْتُمْ أَنْ تَدْخُلُوا الْجَنَّةَ وَلَمَّا يَأْتِكُمْ مَثَلُ الَّذِينَ خَلَوْا مِنْ قَبْلِكُمْ مَسَّتْهُمُ الْبَأْساءُ وَالضَّرَّاءُ وَزُلْزِلُوا حَتَّى يَقُولَ الرَّسُولُ وَالَّذِينَ آمَنُوا مَعَهُ مَتى نَصْرُ اللهِ أَلا إِنَّ نَصْرَ اللهِ قَرِيبٌ) [البقرة : ٢١٤].
سبقت ذلك آيات بينات مهدت وفرشت لما يأتى به المثل القرآنى ، فقد تعرضت إلى حكمة الله جل وعلا ، التى اقتضت أن تكون هناك مجموعة من الخلائق خلقها الله فى أحسن تقويم ؛ لتقوم بدورها العبادى عن طريق ما وهبت من تفكير وعقل ، وما حباها الله به من مبعث أنبياء مبشرين لهم بالجنة ، وحسن المآب ، إذا صلحت منهم الأعمال ، ومخوفين لهم من عذاب الله إذا أساءوا السلوك ، وانحرفوا عن النهج ، ولم يكتف بإرسال الرسل ، بل أرسل مع هؤلاء الأنبياء كتبا تبين حقيقة العبادة ، وجوهر الدين ، وما يجب أن يكون عليه الحكم بين الناس فى القضاء والمعاملات والعبادات ... إلخ من ألوان الفرائض التى فرضت وشرعت على يدى إبراهيم ، وموسى ، وعيسى ... إلخ ، هذه المواكب من الرسل والأنبياء الذين اصطفاهم الله من بين خلقه.
ولكن بعض النفوس التى جبلت على الكفر والعناد ، أبت إلا أن تذهب فى فهمها لهذه الكتب مذهب المصلحة الخاصة ، والبعد عن روح الدين ، والتأويل للمقروء منها ، حتى خرجوا بها عن صفائها ونقائها إلى غير المقصود منها ، وقد جر هذا الاختلاف الكثير من المتاعب للرسل والأنبياء ، والبعد بالرسالات إلى غير ما وجهت إليه ، وقد هدى الله القلة القليلة التى أحسنت الفهم ، ولم تخرج عن المنهج الذى وضع من قبل الله فى كتبه ورسالاته ، واستطاعت أن تواصل حمل مشاعل الهداية على طريق الله وصراطه المستقيم.
__________________
(١) من كتاب العظات الدينية فى الأمثال القرآنية والنبوية.
