المستقبل القائم على النقاء ، والطهارة ، والإيمان ، والعمل ، والعلم ، وكل ما من شأنه تملك زمام النفس والحياة.
وإذا أردنا أن نخطط لبناء مجتمع أو أمة ، فلن يكون الأمر إلا عن طريق بناء الفرد النواة التى يتكون منها ذلك المجتمع ، وتكوين الوعى لدى جماهير الأمة يستحيل بناؤه بمعزل عن الدين ، والفهم العميق له ، ودوره فى التقدم ، فإذا كانت المجتمعات الغربية قد أفلست فى الماضى عن أن تحقق نجاحا فى أن تتخذ من الدين وسيلة إلى النهوض والتقدم والرقى ، فدفعها ذلك إلى تنحيته عن معارك الحياة ، وإبعاد من اتخذوه سلعة وتجارة ، فإن الدين الإسلامى ليس على هذا النحو ، فهو الحياة بكل ما فيها من متطلبات ، تعنى بشأن الفرد والجماعة ، والأخذ بيد الإنسان كى يحيا حياته التى خلقه الله من أجلها ، فالدين ليس حكرا على أحد ، وليس نزعة للتسلط ، وإنما هو أول مصدر من مصادر الوعى لدى الإنسان بحقيقة الحياة الكونية والاجتماعية ، والمتمشى مع فطرته التى فطره الله عليها ، يعدل من مساره ويتسامى بغرائزه ، ولا يقف ضد حاجيات نفسه المادية ، والروحية ، والسلوكية ، والنفسية ، إلا بمقدار ما يوجه ويرشد.
لذا كانت لتعاليمه التى نزلت من أربعة عشر قرنا من الزمن ، سمة الصلاحية والاستمرار ، لا يدخلها تغيير أو تبديل ، بخلاف ما نرى من نظريات تقوم العقول البشرية بوضعها لتنقذ الإنسان فى اعتقادهم من براثن الحياة ، ومن شر ما يحيط به فى أجوائها تحت أسماء الاشتراكية أو الرأسمالية ، إلى آخر ما يصنفون ويبدعون ، ثم ما تلبث أن تتهاوى تلك النظريات بفعل التطبيق ، وتظهر الأيام قصورها ، وحاجاتها إلى التغيير والتبديل لتوائم الحياة بأحداثها ومتطلباتها.
رسالة الإسلام تحقيق الهداية للبشر فى اعتقادهم ، وتوجيه حركة الحياة للفرد والجماعة ، عن طريق ما تثبته من قيم نبيلة للأفراد والجماعات.
١ ـ قال الله تعالى : (وَاتْلُ عَلَيْهِمْ نَبَأَ الَّذِي آتَيْناهُ آياتِنا فَانْسَلَخَ مِنْها) (١) (فَأَتْبَعَهُ الشَّيْطانُ) (٢) (فَكانَ مِنَ الْغاوِينَ وَلَوْ شِئْنا لَرَفَعْناهُ بِها) (٣) (وَلكِنَّهُ أَخْلَدَ إِلَى الْأَرْضِ (٤)
__________________
(١) خرج من الآيات بأن كفر بها.
(٢) فاتبعه الشيطان : لحقه الشيطان بعد أن اخار هذا الانسلاخ.
(٣) لو أردنا أن نرفعه بتلك الآيات إلى درجة الكمال والعرفان التى تقرن العلم بالعمل.
(٤) أخلد إلى الأرض : مال إلى الدنيا وحطامها.
