شك بحاجة ملحة إلى الحذر ، والدهاء ، والمكر ، وكل ألوان الأسلحة التى تستخدم استخداما كريما فى مدافعة الحياة دون أذى أو إضرار بالآخرين ، فهذه الصفات تكسب صاحبها تفوقا وتميزا على الآخرين ، يكتسبها من ممارسة الحياة ، ومخالطة الآخرين ، وكثرة التجارب ، مع يقظة فى العقل ، ودقة ملاحظة للأمور ، وبصر بالمواقف ، بهذا يكون المؤمن عامل نفع فى الحياة لا معول هدم يلحق الأذى بالآخرين ، ويضر نفسه ومجتمعه ، كما كان يظهر سابقا فى أخلاق اليهود ، وما لهم من كيد وتدبير جرّ عليهم الكثير من المتاعب ، (وَيَمْكُرُونَ وَيَمْكُرُ اللهُ وَاللهُ خَيْرُ الْماكِرِينَ) [الأنفال : ٣٠].
مكر ، ومكر موازنة ، ونتيجة واضحة ، وغلبة لله سبحانه وتعالى فى هذا الموقف ، وهكذا كل موقف مشابه.
ويحضرنا فى هذا الموقف كيف تستغل هذه الصفات استغلالا طيبا تؤدى إلى النفع لأصحابها ولغيرهم ، من شخصيات لها دورها فى المكر والدهاء فى تاريخنا العربى ، تذكر كتب الأدب أن داهية من دهاة العرب وهو معاوية بن أبى سفيان ، صاحب المقولة الشهيرة : لو كان بينى وبين الناس شعرة ما انقطعت ؛ لأنهم إذا شدوا أرخيت ، وإذا أرخوا شددت.
التقى وهو مؤسس دولة بنى أمية ، مع قائده زياد بن أبيه ، واليه على الكوفة ، فى موقف فيه إرشاد وتعليم ، فقد توفى المغيرة والى الكوفة ، وخاف زياد أن يولى معاوية مكانه رجلا آخر يسمى عبد الله بن عامر ، فأرسل إلى معاوية يخبره بوفاة المغيرة ، ويشير عليه بتولية رجل آخر يسمى الضحاك بن قيس مكانه.
ففطن معاوية لما يدور فى خلد زياد ، فكتب إليه : قد فهمت كتابك فليفرخ روعك (١) بالمغيرة ، لسنا نستعمل ابن عامر على الكوفة ، وقد ضممناها إليك مع البصرة. فلما ورد كتاب معاوية ، قال زياد : النبغ (٢) يقرع بعضه بعضا.
٢ ـ قال الله تعالى : (اللهُ نُورُ السَّماواتِ وَالْأَرْضِ مَثَلُ نُورِهِ كَمِشْكاةٍ) (٣) (فِيها
__________________
(١) يفرخ روعك : يهدأ بالك.
(٢) النبغ : من شجر الجبل ، وهو من أكرم العيدان.
(٣) المشكاة : فتحة فى الحائط غير نافذة ، والمراد الأنبوية التى تجعل فيها الفتيلة ، ثم توضع فى القنديل.
